الطريق الّذي يشبه ذلك الموطن ويقع على المدرك الّذي من جنس هذا الموطن وتفصيل ذلك : انّ الكلام إذا صدر من اللّسان فإنّه لا يتجاوز السّمع الّذي هو من جنس مدرك اللّسان ، وحينئذ يشترط توسّط هذا الهواء المحسوس الّذي من جنسهما « 1 » ؛ وإذا صدر من الخيال واكتسى لباس اللّفظ فانّه يرد بعد ما يقرع السّمع في مدرك الخيال فيتوسط هناك أوّلا الهواء المحسوس للإدراك السّمعي ثم الهواء الّذي من جنس الأرواح البخاريّة في فضاء الدّماغ للإدراك الخيالي ؛ وإذا صدر من القلب متلبّسا بلباس اللّفظ ، فانّه يسلك هذين الفضاءين الحسّيين أوّلا ثمّ يسير في الهواء الّذي يحار فيه القلوب من حيث يبتدي في السير من تخوم أرض الدّماغ إلى حيث ينتهي إلى فضاء العقل ، حسبما يأخذ النفس من هذه القوى الدّماغية بالتقشير « 2 » من هذا الطريق وإن لم يكن متلبّسا بالتلفّظ فقد يتوسّط في إسماعه ، هواء واحد ، ومنه : « إنّ روح القدس نفثت في روعي » ويسمّى ب « القذف في القلب » وقد يتوسّط هواءان ويسمّى ب « النّقر في الأسماع » .
وأمّا الكلام السّري العقليّ فله طرق : فإن كان مع اللّفظ فيتوسط حينئذ الأهوية الثلاثة مع توسّط الهواء العقلي حيث لا حسّ ولا محسوس ، وإن لم يكن مع اللّفظ فقد يتوسّط الثلاثة الّتي دون الهواء الحسّي ، وقد يتوسّط اثنان وقد يكون واحدا وذلك إذا لم يكن بين المتخاطبين أحد ، وقد يكون فوق ذلك حيث يكون القائل والسّامع واحدا ، وأنت إذا تأملت بعين الاستبصار في أخبار النبوّات ، وجدت لما حقّقنا إيماضات وإشارات وناهيك هذه الوميضة هاهنا .
ثمّ اعلم انّ نداء إبراهيم لا محالة انّما كان بلسانه العقلي حيث كان ذلك بإذن اللّه وأمره سبحانه فإمّا مع مصاحبة اللفظ أو بدونها .
هامش
( 1 ) . جنسهما : جنسها د .
( 2 ) . بالتقشير : بالتقشر د .