القدس غيثا مغيثا لإنشاء النشأة الآخرة وإنبات حقيقة الإنسان من أرض القابلية .
« فأمره جبرئيل بأن يخطّ برجله حيث أظلّت الغمامة » فانطبعت صورة بيت اللّه العقلي في العالم الأرضي والخطّ بالرّجل لأجل وقوعه في العالم السّفلي « فخطّ مكان البيت » على المحاذاة الّتي يقتضيها الظّليّة والصّنميّة ، بحيث لم يشذّ من العالم النوري شيء إلّا وقد صوّره أحسن صورة « وخطّ الحرم بعده » حيث وصل نور الياقوتة الّتي سبق بيانها غير مرّة إشارة إلى وصول فيض الإنسان إلى سائر الأكوان وانّها استنارت بنور هذا الشأن ، ولأجل هذا الخطّ الأولى الّذي بمنزلة العلم التصوّري جرت السنّة بأن يأتي المحرم أوّل مرّة إلى البيت ويطوف به ثم يأتي المناسك إلى أن يعود إلى البيت أخيرا . « ثم انطلق به حتّى أتى منى » وهي أوّل المناسك لأنّ كلّ حركة مسبوقة بشوق طبيعيّ أو إرادي يتسبّب « 1 » عن تمنّي الوصول إلى المقصد ، ولا ريب انّ رؤية آثار الإجابة من تظليل الغمامة وتعيين موضع البيت من الكعبة والأمر بالتطواف حول حريم العظمة يوجب تمنّي القربة والزّلفة « فأراه موضع مسجد منى » دون أن يأمره بالعمل بما يوجب حصول المتمنّي ، لأنّ أوّل ما يظهر في القلب الّذي هو بيت اللّه في طريق السلوك إليه هو التمنّي ثم يظهر ثانيا في الأسباب والأعمال الموصلة إليه . « ثمّ أتيا « 2 » العرفات » هذا شروع في العلم وهو أوّل خطوة من خطوات السّلوك لأنّ التوجّه إلى السّبيل لا يتأتّى إلّا بالهرب عن المكان الّذي هو فيه وإلّا لم تتحقّق الحركة . فالاعتراف بالذنب - الّذي يلزم العبوديّة بل نفسها - أوّل المقامات الموجبة للتوجّه إلى اللّه والهرب عمّا كان صدر عنه من الخطاء المقتضي للبعد عن اللّه واختيار الهبوط إلى أرض الغربة لرفع « 3 » القاذور وتحصيل الطّهارة عمّا كان فيه من ألواث دارا لغرور .
هامش
( 1 ) . يتسبّب : متسبّب د .
( 2 ) . أي آدم وجبرئيل .
( 3 ) . لرفع : لدفع د ن .