وصل آخر
في مصباح الشّريعة « 1 » قال الصّادق عليه السلام : « ما خسر واللّه من أتى بحقيقة السجود ! ولو كان في العمر مرّة واحدة ؛ وما أفلح من خلا برّه في مثل ذلك الحال تشبيها بمخادع نفسه ! غافل عمّا أعدّ اللّه للسّاجدين من البشر العاجل وراحة الآجل ؛ ولا بعد عن اللّه أبدا من أحسن تقرّبه في السجود ؛ ولا قرب إليه أبدا من أساء أدبه وضيّع حرمته بتعلق قلبه بسواه في حال سجوده ، فاسجد سجود متواضع للّه ذليل علم أنّه خلق من تراب يطأه الخلق ، وأنّه ركّب من نطفة يستقذرها كلّ أحد . وقد جعل اللّه معنى السجود سبب التقرب إليه بالقلب والسرّ والروح ، فمن قرب منه بعد من غيره إلّا يرى في الظاهر أنه لا يستوى حال السجود الا بالتواري عن جميع الأشياء والاحتجاب عن كلّ ما تراه العيون ، كذلك أمر الباطن ، فمن كان قلبه متعلقا في صلاته بشيء دون اللّه فهو قريب من ذلك الشيء بعيد عن حقيقة ما أراد اللّه منه في صلاته قال اللّه عزّ وجل :
ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ
« 2 » وقال رسول الله صلّى اللّه عليه وآله : قال اللّه تعالى :
لا أطلع على قلب أحد فأعلم فيه حبّ الإخلاص لطاعة وجهي وابتغاء مرضاتي إلّا تولّيت تقويمه وسياسته ، ومن اشتغل بغيري فهو من المستهزئين بنفسه مكتوب اسمه في ديوان الخاسرين .
بيان : حقيقة السجود هو الذي ذكره عليه السلام بقوله : « ما أفلح من خلا بربّه » إذ الخلوة مع اللّه لا يتيسّر إلّا بالفناء عن كلّ شيء حتى عن نفسه وعن كونه فانيا ، لأنّ اللّه لا يخلو مع من يشرك به شيئا ، « وبشر العاجل » هو انّ اللّه معه ويتولى أمره وتقويمه ، « وراحة الآجل » هي كونه
فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ
هامش
( 1 ) . الباب السادس عشر ، في السجود .
( 2 ) . الأحزاب : 4 .