وبالجملة ، لا ينقطع تلك الملابسة بتفرّق تلك الأجزاء واستحالتها في كيفيات شتى ، فانّ هذه التفرقة عندنا وبالنظر إلى حواسّنا وأمّا عند من لا يعزب عن علمه وإحاطته مثقال ذرّة ولا يغيب عن شروق نوره منظر ولا كوّة « 1 » فهي على اجتماعها « 2 » الذاتي وتضامّها الحقيقي ؛ بل أقول : انّها عند أرباب المعرفة واليقين وأصحاب التأله والمقرّبين كذلك ، لما قد استبان في المقامات البرهانية موافقا لأفلاطون الإلهي « 3 » من أنّ الوحدة الشخصية لا تنثلم « 4 » ولا تنفسخ بالكثرة الانفصالية ولا ينافي تلك الانفصالات الأبعاضية بقاء الوحدة الشخصية ، إذ ليست تلك الكثرة في مقابلة الوحدة على ما ترى من أنّ تقطّع أبعاض شخص إنساني مثلا لا يوجب تكثّر أشخاص ذلك النوع وأنّ الوحدة الاتصالية لا ينافيها الكثرة الأبعاضية بناء على أنّ مقابل الاتصال الحقيقي هو الانفصال الّذي بمعنى عدم فرض أجزاء مشتركه في الحدود ، وذلك مما يمتنع عروضه للمتصل الّا بأن يصير أجزاء لا يتجزّى فالمتّصل الشخصي الّذي يلزم اتّصاله الخاصّ المقداري أن يكون شخصا من نوع حقيقي وإن تفرّق بأبعاضه في أطراف الأرض وأكنافها فهو عند أهل البصائر العرفانيّة على وحدته الشخصية واتّصالها الحقيقي ومضامّتها الواقعيّة .
وهذا وإن كان ممّا يستغرب كمال الغرابة لكنّه بعد الفحص البرهاني الشديد والبحث العرفاني السّديد ، ليس بذلك البعيد ؛ فافهم . يؤيّد ذلك كلّه ما روي في الاحتجاج « 5 » عن الصّادق عليه السلام في سؤال الزنديق عنه إلى أن قال : « وأنّى له
هامش
( 1 ) . الكوّة : الخرق في الحائط .
( 2 ) . اجتماعها : اجتماعه ن .
( 3 ) . إشارة إلى نظرية المثل .
( 4 ) . لا تنثلم ولا تنفسح : لا ينثلم ولا تتفسخ م .
( 5 ) . ج 2 ، ص 350 ذيل احتجاج الإمام الصادق مع اختلاف يسير في العبارات ؛ بحار ، ج 10 ، ص 185 .