قد أشرنا لك فيما سبق من المقامات الأخرويّة ، ونقول هنا أنه قد تقرر في مقرّه من بقاء الأجسام الطبيعية ، وأنّه لا يطرأ عليه العدم بالكلية وإن اختلفت عليها النشآت وتبدّلت عليها الحالات ، إذ ليست تلك الأطوار الّا اختلاف الصّور والأعراض عليها ، وتردّدها في المواطن والمقامات المعدّة لها ، ولا يضرّ ذلك بالحقائق والذّوات ولا يلزم منه انقلاب الماهيات .
ثم انّ النفس من حيث هي نفس لا يخلو عن ملابسة للمادة ومعانقة للطبيعة الجسمانية ، وقد استحكم في الأصول البرهانية انّ النفس من حيث هذه العلاقة المادية قد تخصّصت بأشخاص وتفرّقت في أفراد وأصناف من قبل انطباعها في المادة وبحسب انتقاشها في هذه المرآة الجسمانية المستلزمة للكميّة التي يلزمها لذاتها التقسّم والتخصّص ويلزم ما يعرضها « 1 » ويتعلّق بها بتبعيّتها ، فلا يعزب شيء من العالم الجسماني من إحاطة النفس الكلية ، فلا يخلو حصّة من الحصص الجسميّة عن شروق نور من أنوار هذه النفس الشريفة حتى قيل « 2 » : انّ هذا العالم موضوع في وسط النفس الكلية ، لكنّها بارزة آثارها في بعض المواد حسب استعدادها لذلك الظهور وفي بعضها كامنة إلى يوم النّشور . والبارزة : قد يختلف ظهورها فقد يكون ببعض قواها وقد يكون بتمامها كاملا وأكمل إلى أن انتهى إلى أفق العقل ، وذلك لاختلاف القوابل وتفاوت استعداداتها .
ثم من البيّن أنّ هذه العلاقة وتلك المساوقة لا ينعدم بتفتّت « 3 » أجزاء المادة وتشتّت أبعاضها المتجزئة ، وانّما انعدم بذلك ظهور آثارها ، وفرق ما بينهما ؛
هامش
( 1 ) . يعرضها : يعرض فيها ن .
( 2 ) . نقل الشارح في موارد متعدّدة من الكتاب ، من الشيخ اليوناني ولم أعثر إلي الآن على مأخذ لهذه العبارة .
( 3 ) . تفتّت : من فتّ : كسر .