الأول ، اعلم أنه ممّا قد أعان عليه الكشف والعيان واستنتجته العقول المرتاضة بالبرهان وهدى إليه الشرائع ، وقضى عليه كلّ مشتري الحق والبائع ، انّ أول الصّوادر من المبدأ الأعلى في العالم العلوي نور هو جملة الأنوار بالاشتمال العلّيّ والاحتواء الجملي ، وفي العالم الكوني شيء هو أيضا جملة الأشياء بالقوة الجامعة والإحاطة القابلية على محاذاة الإحاطة الفاعلية . ويؤيّد الأوّل « 1 » ما نقل عن النبي صلّى اللّه عليه وآله : أنه عليه السلام أوّل الأنوار المخلوقة « 2 » ومن نوره خلق سائر الأشياء الموجودة . وقد تكرّر ذلك في الأخبار ويؤيّد الثاني « 3 » ما روي : أنّ أوّل ما خلق اللّه الماء « 4 » ، ثم ذكر انّ كل شيء فهو من الماء ، ويؤيّد الاشتمال ما ورد في العلل : من انّ اللّه خلق العقل وله رؤوس بعدد رؤوس الخلائق « 5 » .
ثمّ انّه من الاصطلاحات الشرعية أن يعبّر تارة عن الصادر الأول العلوي ب « العرش » ، وتارة عن الصادر الأول الكوني به ، وذلك لارتباط خاص بين العاقل والمعقول واتّحاد بوجه ما بينهما على ما تقرّر في العقول .
ثم من المستبين عند أهل المعرفة انّ التعبير عن المجمل بالنظر إلى المفصّل ، وبالعلّة بالقياس إلى المعلول ، حسب ما تقرر في مقر ، ه واتضح ببرهانه : من انّ الأخيرين عبارتان عن ظهور الجهات والأنوار المندمجة في الأولين ب « النقطة » وعن المقابل ب « الدائرة » من أحسن التعبيرات الكاشفة عن حقائق المرموزات بل الواقع كذلك . وهذه النقطة دائرة حقيقة ، لكن يعبّر عن المحوى ب « المحيط » وعن الحاوي ب « النقطة » . فبالحقيقة ، الحاوي هو الدائرة بتمامها كما الأمر في الدوائر الجسمانية
هامش
( 1 ) . الأول : أي النور في العالم العلوي .
( 2 ) . إشارة إلى أحاديث في هذا المعنى من جملتها ما في الخصال ، ص 641 - 640 .
( 3 ) . أي الشيء المذكور في العالم الكوني .
( 4 ) . علل الشرائع ، ج 1 ، باب 75 علة المشوّهين في خلقهم ، حديث 6 ص 83 وقد مرّ أيضا .
( 5 ) . علل الشرائع ، ج 1 ، باب 86 حديث 1 ، ص 98 .