تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح توحيد الصدوق — صفحة 506

مساهمون:

ص٥٠٦
لا يدرك بالحواسّ ، ولا يقاس بالنّاس ، فهو قريب غير ملتصق ، وبعيد غير متقصّ ، يوحّد ولا يبعّض . هذا بيان لوصفه سبحانه بما وصف به نفسه ولذا لم يعطف . أمّا انّه تعالى لا يدرك بالحواس فهو مأخوذ من قوله عزّ شأنه :
لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ
« 1 » وذلك لأنّ المعنيّ بها أبصار القلوب كما في الأخبار « 2 » ، وظاهر أنّ الحواس جواسيس القلب وعيون سلطان اللبّ ، فكل شيء أدركته الحواس فإنما توصله إلى الملك من دون التباس ، فالذي لا يدركه بصائر القلوب لا يمكن أن يدركه هذه الشعوب ؛ وأما انّه لا يقاس بالناس فهو مأخوذ من قوله جلّ برهانه :
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
« 3 » وهو ظاهر ؛ وأما انّه قريب فمذكور صريحا في قوله تعالى :
قَرِيبٌ مُجِيبٌ
« 4 » وكونه « غير ملتصق » تفسير ل « لقريب » ؛ وأمّا انّه بعيد - ومعناه بعيد عن الشبه أو عن أن تصل إليه المدارك - ففي ضمن الآيات المذكورة . وفي القاموس . تقصّى : بلغ الغاية ، وفي النهاية : تقصيتها أي صرت في أقصاها وهو غايتها ، والقصو : البعد ، والأقصى : الأبعد . وقوله : « يوحّد » بصيغة التفعيل المجهول ، « ولا يبعّض » عطف تفسيري له اي هو واحد حقيقة الوحدانية وأشدّها بمعنى انه ليس له جزء ولا يصير جزء الشيء من عدد وغيره . والتعبير بالفعل المضارع للإشارة إلى أن اللائق بالعباد أن يقرّوا بوحدانيته الصرفة من غير تعمّل فيه تعالى ، بل إن كان فبالتعمّل في نفس الموحّد على اسم الفاعل لا الموحّد على المفعول ونعما ما قيل :
ما وحّد الواحد من واحد * إذ كلّ من وحّده جاحد
هامش
( 1 ) . الأنعام : 103 . ( 2 ) . من جملتها ما في التوحيد ، باب ما جاء في الرؤية ، ص 107 ، حديث 6 . ( 3 ) . الشورى : 11 . ( 4 ) . هود : 61 .