لذلك النفوس الشريفة في أول الطلب ، ولذلك عبّر عنها ب « الكوكب » لضعف نوره وعلوّ رتبته المناسبين للاستعداد الغير القوي وللنّور العلوي . لست أقول : انّه لم ير الكوكب ، حاشاي عن ذلك ! بل ، أقول : انّه عليه السلام حين رؤية الكوكب وطلبه للرّبّ ، ظهرت له لامعة عقلية صرفته عن القول بربوبيّة الكوكب ، وأفاض عليه الاستدلال ببطلان ربوبيّته حسب ما يقول أهل الضّلال .
وبالجملة ، انّه حين رؤية الكوكب وشروق النّور العقلي المناسب استخبر عن نفسه واستفهم عنها أهو ربّه الّذي يجب عليه عبادته ؟ فأجيب من نفسه بالحدس القويّ السّريع الّذي يكون لذوي النّفوس القدسيّة : انّ ذلك النور لا يليق بأن يكون ربّا لأفوله . وهذا هو مفاد قوله :
فلمّا أفل الكوكب قال : « لا أحبّ الآفلين » « 1 » لأنّ الأفول من صفات المحدث لا من صفات القديم
حاصل الاستدلال انّ الرب كما قلنا يعتبر فيه الثّبات بحسب اللّغة . والمتغير مطلقا - وإن كان بحسب الأوضاع والأحوال - يلزمه الحدوث فلا يصلح للربوبيّة أصلا : أمّا الكوكب فالتغيّر فيه ظاهر وأمّا النور العقلي فلأنّ البارقة الإلهية يدوم ظهوره للمتجلّى له ، كما تقرّر .
فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً قالَ هذا رَبِّي
« 2 » على الإنكار والاستخبار
فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ
« 3 » .
أي مبتدئا في الطّلوع كما في الخبر « 4 » . و « البزوغ » : ابتداء الطّلوع ، وقد
هامش
( 1 ) . الأنعام : 76 .
( 2 ) . الأنعام : 77 .
( 3 ) . الأنعام : 77 .
( 4 ) . بحار ، ج 12 ، ص 13 نقلا عن تفسير القمي .