أن العقل يميز بين الحق والباطل من الاحساسات لم يتميز الصواب عن الخطأ ( الرابعة المجربات ) وهي ( ما يحكم بها العقل بواسطة الحس مع التكرار ) ولا بد مع ذلك من قياس خفي هو أن الوقوع المتكرر على نهج واحد دائما أو أكثريا لم يكن اتفاقيا بل لا بد أن يكون هناك سبب وان لم يعرف ماهية ذلك السبب وإذا علم حصول ذلك السبب حكم بوجود المسبب قطعا وذلك مثل حكمنا بأن الضرب بالخشب مؤلم وبأن شرب السقمونيا مسهل ( الخامسة الحدسيات ) وهي قضايا مبدأ الحكم بها حدس قوى يزول معه الشك ( كعلم الصانع باتقان فعله ) فانا لما شاهدنا أن أفعاله تعالى محكمة متقنة حكمنا بأنه عالم حكما حدسيا وكذا لما شاهدنا اختلاف حال القمر في تشكلاته النورية بحسب اختلاف أوضاعه من
شرح
ذلك لعدم التمييز بين الأمثال لا للحكم الكلى ( قوله من قياس خفى ) أي قياس مترتب لا يشعر به صاحب الحكم مع حصوله وذلك القياس حاصل من تكرار المشاهدة وبهذا يمتاز عن الاحكام الاستقرائية إذ لا قياس فيها وعن الحدسيات لان القياس المترتب فيها غير حاصل من تكرر المشاهدة وعن قضايا قياساتها معها لان القياس فيها لازم للطرفين [ قوله لم يكن اتفاقيا ) أي حاصلا بمجرد توافقه مع ذلك الشيء في الوجود بسببه من أن يكون ذلك الشيء بنفسه أو بجزئه أو بلازمه سببا له [ قوله وذلك مثل حكمنا الخ ] أورد مثالين من قبيل الفعل إشارة إلى أن المجربات لا تكون الا من قبيل التأثير والتأثر فلا يقال جربنا أن السواد هيئة قارة ( قوله الحدسيات الخ ) لم يعرفها لظهور تعريفها من نفس اللفظ أعني المنسوبة إلى الحدس بمعنى السرعة في السير ولذا عرفه البعض تسامحا بسرعة الانتقال من المبادي إلى المطالب [ قوله حدس قوى الخ ] فلو لم يكن الحدس بهذه المرتبة لا يكون من القطعيات ولذا عدها البعض من الظنيات
هامش
( قوله لم يكن اتفاقيا بل لا بد الخ ) فان قلت هذا يشعر بان الاتفاقيات لا سبب لها مع أن المصرح به خلافه فان لها أسبابا قطعا لكنها غير معلومة قلت ليس المعنى ما فهمت بل المراد انه إذا ترتب على شرب السقمونيا الاسهال ترتبا دائميا أو أكثريا يحكم العقل بان في السقمونيا سببا للاسهال وان لم يعلم أنه حرارته أو برودته أو نحو ذلك وانه لم يتحقق الاسهال معه بطريق الاتفاق أي بان اتفق مقارنته لشربه من غير أن نشأ من السقمونيا نفسه بل من شيء آخر اتفق تحققه مع الشرب ( قوله الخامس الحدسيات الخ ) وقد تكون الحدسيات من الظنيات لا من الضروريات القطعية والا لما جوز العقل نقيضها والعقل يجوز في المثال المشهور أن يكون نور القمر من أمر يدور اختلافه مع اختلاف القرب والبعد