وكذلك نشدّ رحالنا إلى المسجد النبوي في المدينة لا إلى القبر الشريف ، فإن شد الرحل لا يجوز إلا لأحد المساجد الثلاثة التي هي المسجد الحرام ومسجد المدينة والمسجد الأقصى لصحة الحديث بذلك ، ويصبح شد الرحل إليه عندنا فرضا بالنذر ، لأنه نذر طاعة ، ونذر الطاعة يجب الوفاء به ، فلو نذر أحد أن يصلي في مسجد الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بالمدينة لزمه الوفاء بذلك ، خلافا لأبي حنيفة فإنه لا يرى وجوب شيء بالنذر إلا لما كان جنسه فرضا ، كالصلاة والصيام والحج ونحوها . ولنا نحن براهين تدل على فريضته بالنذر ، وهو قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « من نذر أن يطيع اللّه فليطعه ، ومن نذر أن يعصى اللّه فلا يعصيه » .
فقوله ( فليطعه ) أمر والأمر يقتضي الوجوب ، والرسول صلّى اللّه عليه وسلّم لم يفرق بين طاعة وطاعة ، فسواء كان جنسها فرضا أم غير فرض تصبح واجبة بالنذر واللّه أعلم .
وصلاتنا فيه بألف من سوا * ه ما خلا ذا الحجر والأركان
وكذا صلاة في قبا فكعمرة * في أجرها والفضل للمنان
فإذا أتينا المسجد النبوي صلينا التحية أولا ثنتان
بتمام أركان لها وخشوعها * وحضور قلب فعل ذي الإحسان
ثم انثنينا للزيارة نقصد القب * ر الشريف ولو على الأجفان
فنقوم دون القبر وقفة خاضع * متذلل في السر والإعلان
فكأنه في القبر حي ناطق * فالواقفون نواكس الأذقان
ملكتهم تلك المهابة فاعترت * تلك القوائم كثرة الرجفان
وتفجّرت تلك العيون بمائها * ولطالما غاضت على الأزمان
وأتى المسلم بالسلام بهيبة * ووقار ذي علم وذي إيمان
لم يرفع الأصوات حول ضريحه * كلا ولم يسجد على الأذقان
كلا ولم ير طائفا بالقبر أس * بوعا كأن القبر بيت ثان