لا نرفع الصوت عاليا كفعل الجاهلين ، فقد أمرنا اللّه بغض الصوت عنده ، وجعل ذلك علامة على كمال التقوى ، ولا نخر عند القبر سجدا كفعل المشركين ، فقد نهى صلّى اللّه عليه وسلّم أمته عن السجود له ، وسأل اللّه عز وجل أن لا يجعل قبره وثنا يعبد ، وقال لمعاذ حين دخل عليه فسجد « ما هذا يا معاذ ؟ لو أمرت أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها ، ولكن لا ينبغي السجود إلا اللّه ، أرأيت يا معاذ لو مررت على قبري أكنت ساجدا له ؟ قال : لا يا رسول اللّه قال لا تفعل » .
ولا نطوف بالقبر سبعا كفعل الحمقى الغالين ، فإن ذلك الطواف مخصوص بالبيت العتيق ، ولا ندعو اللّه مستقبلين القبر ، بل نتحول عنه ونستقبل القبلة وندعو كما كان يفعل الصحابة رضي اللّه عنهم . هذه هي الزيارة الشرعية الصحيحة التي يفعلها المتمسكون بشرائع دينهم وهدى نبيهم ، لا زيارة هؤلاء السفهاء من أهل البدع والأهواء الذين يرتكبون عند القبر من الأعمال الشركية والعادات الجاهلية ما يبرأ منه اللّه ورسوله والمؤمنون .
والزيارة حين تؤدى على هذا الوجه الصحيح تكون من أفضل القربات وأثقلها في الميزان يوم القيامة ، فيا قوم لا تخلطوا الحق الذي وردت به السنة المطهرة بما تخترعونه من بدع شركية منكرة ، واعلموا انا برآء من بهتكم لنا بأنا نحرم زيارة القبر الشريف ، فما أنكرنا سوى البدع المضلة التي يرتكبها أهل الجهل والضلال ، وأما نهينا عن شد الرحال لزيارة قبر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وغيره من القبور فالحديث ثابت فيه ، وهو قوله عليه السلام : « لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد : مسجدي هذا والمسجد الحرام والمسجد الأقصى » وإذا صح الحديث فالواجب هو المصير إليه .
شرح القصيدة النونية المسماة الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية — صفحة 220
مساهمون: ابن قيم الجوزية
ص٢٢٠