تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح القصيدة النونية المسماة الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية — صفحة 320

مساهمون:

ص٣٢٠
وكذلك الرحمن جل جلاله * لم يحتمل معنى سوى الرحمن يا ويحه بعماه لو وجد اسمه الر * حمن محتملا لخمس معان لقضى بأن اللفظ لا معنى له * إلا التلاوة عندنا بلسان فلذاك قال أئمة الإسلام في * معناه ما قد ساءكم ببيان ولقد أحلناكم على كتب لهم * هي عندنا واللّه بالكيمان
الشرح : وكذلك الحرف ( على ) الذي تعدى به فعل الاستواء هو نص في إفادة الاستعلاء عند أهل اللغة لا يجوز صرفه عن هذا المعنى الذي هو حقيقة فيه بلا قرينة كلامية توجب ذلك وتدل عليه . وكذلك الاسم الكريم ( الرحمن ) لا يحتمل معنى سوى الرب الموصوف بالرحمة الواسعة التي وسعت كل شيء جل شأنه . فيا ويح هذا المعطل الأعمى لو رأى كذلك أن اسمه الرحمن ليس نصا في الدلالة على مسماه وطرد قاعدته الفاسدة في احتمال الألفاظ عليه ، وادعى له هو الآخر أنه محتمل لخمس معان ، كما ادعى ذلك في العرش : إذا لوجب أن يحكم بأن الألفاظ خالية من معانيها ، وأن نصيب القارئ منها هو التلاوة باللسان فقط دون أن يفقه لها معنى . وهذا هو ما يهدف إليه هؤلاء المعطلة أعداء الكتاب والسنة أن يعزلوا نصوصهما عن إفادة الحق واليقين ليرجعوا في ذلك إلى قضايا عقولهم الفاسدة ، وإذا ثبت أن كل لفظة من ألفاظ الآية الكريمة ، أعني قوله تعالى :
الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى
[ طه : 5 ] هو نص في معناه بحيث لا يجوز صرفه عنه لم يكن حينئذ للاستواء على العرش معنى إلا العلو والارتفاع عليه ، وهذا المعنى هو الذي أطبق عليه أئمة الإسلام ولكن قلوبكم المريضة لم تتسع له لامتلائها من الباطل الذي ورثتموه عن فلاسفة اليونان وغيرهم فساءكم ما قاله أئمة الهدى ، وملأ قلوبكم غيظا عليهم ، ولن تستطيعوا إنكار نسبة هذا القول إليهم ، فقد أحلناكم على كتبهم التي لا يشك في نسبتها إليهم وهي بحمد اللّه من الكثرة بحيث تشبه الكيمان ، والكيمان جمع أكوام الذي هو جمع كومة ، والكومة هي الجملة من الشيء المتكومة المجتمعة .
شرح القصيدة النونية المسماة الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية — صفحة 320 | ابن قيم الجوزية / محمد خليل هراس