ليس إلا التقدير ، فثبت أن المراد بقوله
« خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ »
هو أنه قدره منه ، ونظير هذه الآية قوله تعالى :
« أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ »
فالخلق هو التقدير ، والأمر هو قوله :
« كُنْ فَيَكُونُ »
.
الحجة الثالثة : أن الكذب في اللغة يسمى خلقا ، قال تعالى :
« وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً »
« 1 » .
« إِنْ هذا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ »
« 2 » .
« إِنْ هذا إِلَّا اخْتِلاقٌ »
« 3 » والكذب إنما يسمى خلقا ، لأن الكاذب يقدر في نفسه ذلك الكذب ويضمره فدل هذا على أن التقدير يسمى بالخلق .
الحجة الرابعة : قوله لعيسى عليه السلام
« وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ »
« 4 » والمراد التصوير . والتقدير .
الحجة الخامسة : قول الشاعر : [ زهير والبيت من الكامل ]
ولأنت تفرى ما خلقت وبعض القوم يخلق ثم لا يفرى وأيضا الإسكاف يسمى خالقا ، لما أنه يقدر النعل بقالب مخصوص ، قال :
ولا يبسط بأيدي الخالقين ولا * أيدي الخوالق ألا حبذا الأدم
فثبت بهذه الوجوه أن الخالق جاء في اللغة بمعنى التقدير ، فلنبحث الآن عن التقدير أيضا ما هو ، فنقول : التقدير عبارة عن تكوين الشيء على مقدار معين ، ولا بد فيه من أمور ثلاثة .
أحدها : القدرة المؤثرة في وجود ذلك الشيء ، ثم إن كانت القدرة بحيث
هامش
( 1 ) جزء من الآية 17 من سورة العنكبوت .
( 2 ) الآية 137 من سورة الشعراء .
( 3 ) جزء من الآية 7 من سورة ص .
( 4 ) جزء من الآية 110 من سورة المائدة .