تخطي إلى المحتوى الرئيسي

لوامع البينات شرح أسماء الله تعالى والصفات — صفحة 206

مساهمون:

ص٢٠٦
الأول : أنا بينا أن لفظ الخلق كما ورد بمعنى التقدير ، فقد ورد أيضا بمعنى الإيجاد والإبداع ، وهذا المعنى ثابت في حق اللّه تعالى . الثاني : سلمنا أن الخلق في اللغة عبارة عن التقدير فقط ، لكنا بينا أن الفكرة ليست جزء ماهية التقدير ؛ بل هي شرط لشرط التقدير في حق العبد لا مطلقا ، فلا يلزم من انتفاء الفكرة انتفاء التقدير . المسألة الثالثة : معنى الخالق الباري المصور : اعلم أن قوله تعالى
« هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ »
« 1 » إما أن يكون المراد هو المقدر . أو الموجد ، فإن فسرنا الخالق هاهنا بالمقدر حسن انتظام هذه الأسماء الثلاثة على هذا الترتيب ، وذلك لأن التقدير يرجع حاصله إلى العلم ، فنقول من قدماء الفلاسفة من ظن أنه سبحانه وتعالى لا يعلم الأشياء ، بل قالوا : إنه سبحانه آنية معلة ، فلفظ الخالق يدل على كونه سبحانه وتعالى عالما بحقائق الأشياء ، وبجهات مصالحها . ومنهم من سلم كونه سبحانه وتعالى عالما بحقائق الأشياء ، لكنه يقول الهيولى « 2 » قديمة ، والبارئ يتصرف في فلك الهيولى القديمة ، فقوله البارئ رد على هؤلاء ، فإنه يدل على كونه تعالى موجدا لها عن العدم المحض ، ومبدعا لها عن النفي الصرف . ومنهم من سلم كونه تعالى عالما بالأشياء ، وسلم كونه موجدا لهذه الذوات ، إلا أنه يقول صور النبات والحيوان إنما تصدر عن الطبيعة ، فالطبيعة هي التي تصور كل واحد من النبات والحيوان بصورته الخاصة ، وخلقته المعينة ، فقوله : « المصور » رد على هؤلاء ، فالخالق يدل على كمال علمه ، والبارئ يدل على كونه موجدا للذوات لا عن المادة ، والمصور يدل على أنه هو الّذي صور هذه الأشياء ووضعها بكيفياتها ، فمن عرف ربه بهذه الأسماء الثلاثة فقد عرف معبوده بصفات الإلهية ، ونعوت الربوبية ، فظهر بهذا أن هذا الترتيب في غاية الحسن والفائدة .
هامش
( 1 ) جزء من الآية 24 من سورة الحشر . ( 2 ) الهيولى في الفلسفة المادة الأولى ، تنفعل وتحمل الصورة فتتولد الموجودات والجمع هيوليات .