لا يتوقف تأثيرها في المقدور على آلة ، كما في حق اللّه سبحانه وتعالى كان التقدير هو نفس ذلك التحصيل والتكوين ، وإن كان يتوقف على آلة مخصوصة كما في حق العبد ، فإنه لا يمكنه تصوير الجسم المتباين وتشكيله إلا عند حركات الأصابع فهاهنا سميت تلك الحركات القائمة بأصابعه تصويرا وتقديرا .
والثاني : الإرادة المخصصة لذلك الشيء بذلك المقدار المعين ، دون ما هو أزيد منه وأنقص منه .
والثالث : العلم بذلك القدر الخاص ، وذلك لأن إرادة الشيء مشروطة بالعلم به ، ثم إن كان الفاعل عالما بكل المعلومات كان غنيا في حصول ذلك العلم عن الفكرة والروية ، كما في حق اللّه سبحانه وتعالى ، وإن لم يكن كذلك لم يحصل له ذلك العلم بذلك المقدار الموافق للمصلحة إلا بالفكر والروية ، فهاهنا قد تسمى تلك الفكرة والروية تقديرا وتخليقا ، ولكنه على سبيل المجاز ، وذلك لأن التقدير عبارة عن إيقاع الشيء على قدر معين ، وذلك لا يمكن إلا بعد العلم بأمرين . أحدهما : العلم بذلك القدر ، والثاني : العلم بكون ذلك القدر الموافق للمصلحة .
وهذان العلمان لا يمكن حصولهما إلا بعد الفكرة فكانت الفكرة شرطا لحصول هذا العلم في حق العبد ، وهذا العلم شرط لكون المريد مريدا لإيقاعه على ذلك القدر ، ولكون القادر موجدا له على ذلك القدر ، فكانت الفكرة شرطا لشرط التقدير لا مطلقا ، بل في حق العبد ، فبهذا الطريق سميت الفكرة خلقا وتقديرا ، هذا هو البحث عن حقيقة التقدير وماهيته .
أما بيان أن لفظ الخلق جاء في اللغة بمعنى الإيجاد والإبداع ، فيدل عليه وجوه :
الأول : قوله
« إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ »
« 1 » ولو كان الخلق هاهنا عبارة عن التقدير لصار معنى الآية إنا كل شيء قدرناه بقدر ، فيكون تكريرا بلا فائدة .
الحجة الثانية قوله :
« وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً »
« 2 » ولو كان الخلق عبارة عن التقدير لكان معنى الآية : وقدر كل شيء فقدره تقديرا .
هامش
( 1 ) الآية 49 من سورة القمر .
( 2 ) جزء من الآية 2 من سورة الفرقان .