هذه الأعضاء والآلات هو الّذي أزال الخوف عن الإنسان بواسطة إعطاء هذه الأعضاء ، ثم قال ولو قدرنا إنسانا وحده مطلوبا من جهة أعدائه ، وهو ملقى في مضيعة ، ولا يمكنه أن يتحرك لغاية ضعفه ، فإن تحرك فلا سلاح معه ، ولئن كان معه سلاح لم يقدر على مقاومة الأعداء وحده ، وإن كانت له جنود فلم يأمن أن تنكسر جنوده ، ولا يجد حصنا يأوى إليه ، فجاء من عالج ضعفه فقواه ، وأمده بجنود وأسلحة ، وبنى حوله حصنا ، فقد أفاده أمنا عظيما ؛ فبالحري أن يسمى مؤمنا في حقه ، والعبد ضعيف في أصل فطرته ، وهو عرضة للآفات ، ومنزل المخافات ، تارة من الآفات المتولدة في باطنه كالجوع والعطش ، وتارة من خارجه كالحريق والغرق والأسر ، فالذي خلق له الأغذية اللذيذة ، والأدوية النافعة ، والآلات الجالبة للمنافع والأعضاء الدافعة للمتاعب ، لا شك أنه هو الّذي آمنه من هذه الآفات .
وأما أحوال الآخرة فهو الّذي نصب الدلائل ، وقوى العقل ، وهدى الخاطر إلى معرفة توحيده ، وجعل هذه المعرفة حصنا حصينا ، وجنة واقية عن أصناف العذاب ، كما أخبر الرسول عليه الصلاة والسلام عن رب العزة أنه قال :
« لا إله إلا اللّه حصني ، من دخل حصني أمن من عذابي » فقد ثبت بهذا التقدير أنه لا أمن في العالم إلا من اللّه ، ولا راحة إلا من اللّه ، فهذا المؤمن المطلق حقا » .
هذا كله كلام الغزالي ، وهو حسن جدا .
فإن قيل : لا خوف إلا من اللّه ، فكيف يقال لا أمن إلا من اللّه ؟ .
قلنا : لا منافاة بينهما ، كما أنه معز مذل ، محيى مميت ، وقد تقدم تقرير هذا في تفسير الرحمن الرحيم .
وما حظ العبد من هذا الاسم ، فهو أن يأمن الخلق كلهم جانبه ، بل يرجو كل خائف الاعتضاد به في دفع الهلاك عن نفسه في دنياه ودينه ، كما قال عليه الصلاة والسلام : « من كان يؤمن باللّه واليوم الآخر فليأمن جاره بوائقه » .
لوامع البينات شرح أسماء الله تعالى والصفات — صفحة 191
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص١٩١