فان قيل : فعلى هذا التفسير لا يبقى بين القدوس والسلام فرق ؟ .
قلنا : كونه قدوسا إشارة إلى براءته عن جميع العيوب في الماضي والحاضر ، وكونه سالما سليما إشارة إلى أنه لا يطرأ عليه شيء من العيوب في الزمان المستقبل .
وأيضا يحتمل أن يحمل القدوس على كونه منزها عن صفات النقص ، ويحمل السلام على كونه منزها عن أفعال النقص .
الاحتمال الثاني : أن يكون المراد من السلام كونه معطيا للسلامة ، وهذا المعنى يتناول المبدأ والمعاد ، أما المبدأ فهو أنه تعالى جعل أكثر مخلوقاته سليما عن العيوب ، قال تعالى :
« ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ »
« 1 » وقال :
« رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى »
« 2 » .
وأما المعاد فهو أن الخلق سلموا عن ظلمه ، قال :
« وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ »
« 3 » وفيه وجه ثالث : وهو أن يكون السلام بمعنى المسلم ، ومعناه أنه تعالى يسلم يوم القيامة على أوليائه قال تعالى :
« تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ »
« 4 » .
واعلم أن سلام اللّه هو كلامه ، فإن حملنا السلام على البراءة عن العيوب كان ذلك من صفات التنزيه ، وإن حملناه على كونه مسلما على أوليائه كان من صفات الذات ، وإن حملناه على كونه معطيا للسلامة كان من صفات الأفعال .
وأما المشايخ فقالوا : السلام من العباد من سلم عن المخالفات سرا وعلنا ، وبرئ من العيوب ظاهرا وباطنا ، دليله قوله تعالى .
« وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ »
« 5 » وقيل . هو من كان سليما من الذنوب ، بريئا من العيوب ، قال تعالى
« إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ »
« 6 » والقلب السليم هو الخالص من الشرك والنفاق ،
هامش
( 1 ) جزء من الآية 3 من سورة الملك .
( 2 ) الآية 50 من سورة طه .
( 3 ) جزء من الآية 46 من سورة فصلت .
( 4 ) جزء من الآية 44 من سورة الأحزاب .
( 5 ) جزء من الآية 120 من سورة الأنعام .
( 6 ) الآية 89 من سورة الشعراء .