تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الشامل في أصول الدين — صفحة 427

مساهمون:

ص٤٢٧
ومن أوضح ما استدل به أئمتنا في تعليل الواجب ، أن قالوا : إذا اتصف الواحد منا بكونه عالما ، فقد زعمتم أن هذا الحكم معلل بعلة . فلا تخلون : إما أن تقولون : إنما يعلل هذا الحكم لثبوته من غير تعرض لوجوب أو جواز ، فيلزم تعليله في حق القديم . وإن قلتم : إنه إنما يعلل لجوازه ، بطل عليكم ذلك من أوجه : أحدها : ما قدمناه من إثبات جمل من الجائزات التي لا تعلل . ومما يبطل هذا القسم أيضا : أن الجواز إذا حقق في مقصد المتكلمين ، فيؤول معناه إلى تجويز النفي وتقديره . فكأنكم تقولون : إنما أوجب العلم كون الواحد منا عالما ، لأنه يجوز أن لا يعلم ، وتجويز ضد العلم ، يستحيل أن يكون مقتضيا لثبوت العلم على أنه نفي مجرد . وقد ذكرنا أن النفي لا أثر له علة ولا معلولا . فإن قالوا : يجوز أن يكون النفي شرطا ، فكأنا نشترط في التعليل ما قلناه . قلنا : هذا قدح في أصل متفق عليه ، وذلك لأن أرباب التحصيل أجمعوا على أن العلة في إيجابها يستحيل أن تفتقر إلى شرط . وقد سبق إيضاح ذلك . ولو جاز تقدير شرط عليه إيجاب العلة الحكم ، لوجب أن يقال : إنما [ أ ] « 1 » وجب العلم كون محله عالما ، إذا ثبت صحة معنى هو شرط في إيجابه ، ثم يجر ذلك إلى ثبوت العلم غير موجب لكون محله عالما ، من حيث لم يوجد شرط الإيجاب . ومما نستدل به في الرد عليهم ، أن نقول : إذا منعتم تعليل الواجب من الأحكام ، لم يستقم لكم إقامة الدلالة على استحالة كون القديم سبحانه وتعالى جوهرا . ويتبين ذلك عند توجيه الطلبة عليهم ، فنقول لهم : ما الدليل على استحالة كون القديم تعالى جوهرا ؟ فإن قالوا الدليل على ذلك أنه لو كان جوهرا ، موجودا ، لكان متحيزا مختصا ببعض الجهات ، وإذا اختص ببعضها ، افتقر إلى كون يخصصه ، ثم ذلك الكون حادث فيلزم منه قبوله للحوادث . فيقال لهم : لا تستقيم لكم هذه الدلالة من أوجه سبقت . ومقصدنا الآن ذكر واحد منها ، وذلك أنكم قلتم : الواجب من الأحكام لا يعلل ، فبم تنكرون على من يزعم أنه تعالى يختص بما قلتموه ، ويجب له ذلك الحكم لذاته لا لعلة ، فيضطركم ذلك إلى نفي الكون ، الذي بتقدير إثباته توصلتم إلى نفي كونه جوهرا . ولو ساغ أن تفصلوا بين الشاهد والغائب ، وتحكموا بأن كون الواحد منا عالما معلول لعلة ، وهذا الحكم لا يعلل غائبا ، فيلزمكم مثل ذلك في الكون . وهذا ما لا مهرب منه . وقد قدمنا استقصاء القول في ذلك عند نفينا الجهات عن ذات القديم سبحانه وتعالى .
هامش
( 1 ) ما بين حاصرتين زيادة يقتضيها السياق .