توجب ، فجاز أن يتخصص ذلك بما هو ذات في الشرط ليس بموجب لمشروطه . فلم يبعد كون الحال شرطا .
فإن قال قائل : الحياة بمجردها لا يتحقق معها العلم ، حتى ينتفي أضداد العلم من الغفلة والجهل وغيرهما من الأضداد ، فقد افتقر العلم مع الحياة إلى انتفاء الأضداد ، فهلا جعلتم انتفاء الأضداد شرطا أيضا ؟
على أنكم إذا لم تنكروا كون الحال شرطا ، فلا تستبعدوا كون العدم شرطا . وقد اضطرب الأصحاب في التقصي عن هذا السؤال . فصار معظمهم إلى أن العدم لا يكون شرطا ، ولكن الحياة عند عدم الأضداد شرط . قالوا : ولا نسلك بالشرط مسلك العلل . فإنه ليس بموجب الشروط ، حتى يراعى فيه ما يراعى في العلل ، ولكن الشرط صفة إثبات ، فخصصناه بثابت موجود .
قال القاضي : الذي عندي أنه لا يمتنع تقدير العدم شرطا ، إذ الشرط ما تحقق الافتقار إليه ، وهو غير موجب عدما كان أو وجودا ، ثبوتا أو انتفاء . فمهما أعطانا الخصم افتقار العلم إلى انتفاء الأضداد على حسب افتقاره إلى ثبوت الحياة ، ولا معنى في كون الحياة شرطا في العلم إلا افتقار العلم إليها ؛ فقد استويا إذا ، وآل التناكر إلى عبارة . ولو رددنا الأمر إلى العبارة ، فليس يستنكر في إطلاق العبارة تسمية العدم شرطا ، كما لا ننكر تسمية الوجود شرطا .
فإن قال قائل : أيجوز أن يكون للشيء الواحد شروط ؟
قلنا : لا ننكر ذلك ، بل نوجب القول به . وليس كالعلل ، إذ العلة لا يسوغ فيها التركيب كما سبق تقريره . وذلك لأن العلة مؤثرة موجبة . فلو لم تؤثر الصفة وحدها ، لم تؤثر مع غيرها . والشرائط ليست بمؤثرة ، فلم يمتنع فيها التركيب . فإن قيل : وإذا قلتم ذلك ، فاجعلوا وجود المحل شرطا في العلم به .
قلنا : هكذا نقول في الجملة فيه أن كل ما افتقر الحكم إليه ، وليس موجبا عنه ، فهو شرط في الحكم تعدد أو اتحد ، عدما كان أو وجودا . ثم عبر المحصلون عن الشرط بكونه مصححا ، فقالوا تارة : الحياة شرط في العلم ، وقالوا أخرى : الحياة مصححة للعلم . [ و ] كما لا نستبعد أشياء شرطا لشيء واحد ، فلا نستبعد أن يؤثر الشيء الواحد في تصحيح أشياء ، وإن كنا أحلنا ذلك كله في العلل . فإنه كما يستحيل وجوب حكم بعلل ، فكذلك يستحيل إيجاب العلة الواحدة جملا من الأحكام الجائزة على تفصيل طويل قدمناه . فالحياة إذا شرط في العلم والإرادة والقدرة وأضدادها الخاصة ، وكل وصف لا يتصف به إلا الحي .
الشامل في أصول الدين — صفحة 430
مساهمون: عبد الملك الجويني
ص٤٣٠