تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الشامل في أصول الدين — صفحة 426

مساهمون:

ص٤٢٦
وما ذكروه من اعتبار الجواز في التعليل ، يبطل عليهم أيضا بكون المدرك مدركا ، فإنه جائز غير معلل عندهم . وكذلك كون الشاك شاكا ، وكون الميت ميتا ، إلى غير ذلك مما ناقضوا فيه ، فأثبتوا أحكاما جائزة ، غير مستندة إلى علل . ثم نقول لهم : لو سلم لكم ما ادعيتموه من تعليل الجائز من الأحكام ، فلم قلتم : إذا علل الجائز ، امتنع تعليل الواجب ؟ وهل هو إلا تمسك بعكس الأدلة ؟ ! وليس من شرط الأدلة انعكاسها بإجماع من المحققين . إذ لو شرط فيها ذلك ، لدل عدم الإتقان على جهل الفاعل ، كما دل الإتقان على علمه . ولدل عدم العالم على عدم المحدث ، كما دل حدوثه على وجوده ، إلى غير ذلك مما يطول تتبعه . وإنما يشترط الانعكاس في العلل العقلية والحقائق . وجواز الحكم ليس بعلة عند الخصم ، وإنما هو دليل على العليل . ثم العجب منهم ، حيث نقضوا طرد الدلالة ، فأثبتوا أحكاما جائزة غير معللة ، وطالبوا بعكسها . ومما يوضح بطلان ما قالوه في جميع ما قدموه : أنهم أعطونا وجوب الطرد في الشرط ، ولم يفصلوا بين الجائز من الأحكام ، وبين الواجب . فإذا جاز الحكم بمساواة الواجب للجائز في كون كل واحد منهما مشروطا ، ولم يوجب وجوب الواجب استقلاله دون الشروط ، فهلّا وجب سلوك هذا المسلك في العلة ، وهي أولى بذلك من الشرط ؟ فإن العلة يشترط فيها الاطراد والانعكاس ، ولا يشترط في الشرط ذلك ، على ما سنوضحه . وما قالوه يبطل عليهم بالتماثل والاختلاف ؛ فإنهم اتفقوا على تعليلهما ، وجعلوا ذلك إحدى الذرائع إلى نفي الصفات . ثم العلم بوجوب تماثل المتماثلان ، واختلاف المختلفان ، فهذا نقض منهم لما عولوا عليه . وقد قال أبو هاشم ومتبعوه : إنما يتحيز الجوهر في الوجود ، لوصف هو في نفسه عليه ، يوجب له التحيز ، وكذلك قولهم في حمل الجوهر للأعراض . ثم زعموا أن تلك الصفة التي توجب كون الجوهر متحيزا ، حاملا للأعراض ، لا تعلل . فقد صرحوا بتقسيم الواجب : إلى ما يعلل ، وإلى ما لا يعلل . فزعموا أن صفات الأجناس لا تعلل لوجوبها ، والتحيز وحمل الأعراض يعللان ، وإن كانا يجبان في الوجود . وقد علل أبو هاشم كون القديم تعالى عالما ، وقال : إنما كان عالما ، لحال هو في نفسه عليه هو أخص وصفه ، وهو الذي أوجب له كونه حيا عالما قادرا . فقد صرح بأن كون القديم حيا قادرا عالما ، معلل بحال . ثم زعموا أن تلك الحال - التي هي الأخص - لا تعلل . فهذا وافق أهل الحق في تعليل الحكم الواجب ، بيد أنه علله بحال ، ونحن عللناه بصفة ثابتة موجودة . فقد بان اضطرابهم وخبطهم في الامتناع عن تعليل الواجب .