ولا يستقيم لهم أيضا نصب الدلالة على أن القديم ليس بعرض ، فإن المعول في إثبات استحالة ذلك ، على أنه كان عرضا ، لاستحال أن يقبض المعاني . وهذا يفضي إلى خروجه عن الاتصاف بكونه حيا عالما قادرا . وهذا لا يستقيم على أصول المعتزلة ، مع صرفهم الصفات إلى النفس . ولا بعد في أن تثبت للعرض صفات نفسية ، وإنما الاستحالة في قيام المعاني به .
ولو راموا سلوك مسلك آخر في إثبات استحالة كون القديم تعالى عرضا ، لم يجدوا إليه سبيلا . وقد قدمنا لهم شبها يحاولون بها إثبات مرامهم ؛ وقدحنا في جميعها ، وبيّنا اضطرابها على أصولهم عند ذكرنا استحالة كون القديم عرضا ، وبيّنا أن ذلك لا يستقيم إلا على أصول أهل الحق ، وتتبعنا كل طريقة تشبث بها المعتزلة بالنقض والرفض .
ومما يقوي التمسك به ما ذكرناه في خلل الكلام من استواء الحكمين شاهدا وغائبا ، في قضية الشرط ، ولو أوجب الجمع في حكم الشرط ؛ فالجمع في حكم العلة أولى .
ومن النكت التي تمسك [ بها ] « 1 » الأستاذ أبو إسحاق في « الجامع » أن قال : لو كان الواجب غير معلل ، لوجب أن يقال : إذا اتصف الواحد منا بكونه عالما ، فلا يثبت له علم .
فإن الحكم مع ثبوته ، يستحيل تقدير انتفائه ، فيجب أن يلتحق ذلك بالواجب من هذا الوجه .
وهذا يعضده أصل من قواعد المعتزلة ، وبه يتم المقصود . وذلك أنهم قالوا : الحادث أول حال حدوثه ليس بمقدور ولا متعلق للقدرة . ثم استرواحهم في ذلك إلى أن أثر القدرة إنما يطلب للوجود ، وقد تحقق الوجود في الحالة الأولى ، فلا حاجة إلى تقدير مؤثر مع وقوع الأثر ، فهلّا قالوا : لا حاجة إلى العلة ، مع وقوع المعلول ، والعلة تتقدم على معلولها بزمن فإذا تحقق معلولها ، لم تتعلق العلة به إيجابا ؟
والذي يقرب ذلك على أصلهم أنهم جعلوا السبب المولد علة في المسبب المتولد ، مع تقدم السبب على المسبب ، وهذا ما لا مطمع لهم في الخلاص منه .
فهذه طرق مقنعة في إيضاح تعليل الواجب من الأحكام ، والرد على منكريه . ونحن الآن نخوض في القسم الثالث ونذكر ما تردد فيه المحصلون من أحكام العلل . فأما القسم الثالث فنذكر فيه ما اختلف فيه المحققون . فسلك بعضهم طريق التعليل ، وسلك آخرون طريقا غيرها .
هامش
( 1 ) ما بين حاصرتين زيادة يقتضيها السياق .