تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الشامل في أصول الدين — صفحة 424

مساهمون:

ص٤٢٤
نحو تعلق الحادث بالمحدث ؛ ومنه ما يتعلق به إيجابا ، نحو تعلق المعلول بالعلة . ثم نعلم أن الوجود المفتقر إلى الموجد ، هو الموجود الجائز دون الواجب ، فكذلك يجب أن نفرق بين الحكم بطلب علته ، وبن الحكم الواجب . وأكدوا هذا بأن قالوا : لما وجب كون الجوهر جوهرا ، وكون السواد سوادا ، استحال تعليل ذلك . فهذه عمدة القوم . فيقال لهم : كل ما ذكرتموه ، دعاوى . فأما الذي صدرتم به كلامكم من أن الواجب يستقل بوجوبه ، فهو غير ما تنازعنا فيه . فبم تنكرون على من يقول : الواجب من الأحكام ، إنما وجب بوجوب علته ؟ فإن قالوا : قد استشهدنا في ذلك بالوجود ، حيث أوضحنا أن الواجب منه لا يفتقر إلى مقتض ، والجائز منه يفتقر . قلنا : أنتم منازعون في ذلك أيضا ، فإنا لا نمنع وجودا واجبا متعلقا بموجد على وجوب ، كما لا نمنع ذلك في الحكم الواجب . فإن قالوا : بم عرفتم إذا غنى اللّه عن موجد ؟ قلنا : هذا الآن تعد منكم لحد النظر ، فإنا بعد ما صددناكم عن مرامكم ، ليس لكم البحث عما نعتقده ، وإنما عليكم إقامة الدليل في الفرع والأصل . ثم لو خضنا في ذلك مسامحين ، قلنا : عرفنا غنى الرب عن فاعل ، من حيث عرفنا قدمه ، وانتفاء الأولية عنه . ولو كان فعلا ، لكان مبتدأ الوجود ، وفاعله سابق له . فهذا يغني في إيضاح ما طلبوا من الاعتصام بالوجوب والجواز . وأما الذي تمسكوا به من امتناع تعليل السواد ، في كونه سوادا ، فالحكم صحيح ، وإسناد الحكم بامتناع التعليل فيما ادعوه من الوجوب ، متنازع فيه . فعليهم إقامة الدلالة على أن صفات الأجناس إنما امتنع تعليلها لوجوبها . ولا يجدون إلى ذلك سبيلا . ثم كيف يستتب لهم ذلك ، وصفات الأجناس على مذهب أهل الحق بمثابة الحدوث ، والمقتضى لإثباتها القدرة ، وليس يتحقق فيها الوجوب . وإنما بنت المعتزلة ادعاء الوجوب فيها على فاسد أصلهم ، إذ زعموا أن صفات الأجناس تتحقق في الوجود والعدم . وقد سبق الرد عليهم في ذلك . فإن قالوا : الوجوب يتحقق على قضية أصلكم أيضا في صفات الأجناس ، فإنه إذا قدر وجود السواد ، فيجب - مع تقدير وجوده - كونه سوادا . قلنا : هذا تلبيس منكم . ولا فرق على أصلنا بين أن يقول القائل : يجب مع وجود السواد ، كونه سوادا ؛ وبين أن يقول : يجب مع كون السواد سوادا ، وجوده . ثم لا يلزم