الحكم بوجوب الوجود ، وإن لازم كون السواد سوادا ، فكذلك لا يجب ذلك في كون السواد سوادا .
ثم لو ساعدناهم جدلا في الحكم بوجوب صفات الأجناس ، فنقول : لم زعمتم أن المانع من تعليلها ، وجوبها ؟ وبم تنكرون على من يقول : إنما امتنع ذلك لوجه آخر ؟ فإن قالوا : فلا وجه لمنع تعليلها إلا الوجوب .
قلنا : هذه دعوى منكم ، فلم قلتموه ؟
فإن قالوا : لسنا نعرف وجها سواه .
قلنا : عدم معرفتكم لا ينتصب دليلا . وإن طالبونا بإظهار وجه آخر ، لم يلزمنا ذلك في حكم النظر . فقد وضح ميز حيلهم واضطراب كلامهم .
فإن قالوا : الدليل على أن الواجب لا يعلل ، أن الجائز يعلل ، فلما كان الجائز معللا ، وما دل على تعليله إلا جوازه ، إذ لا طريق يوصلنا إلى تعليل كون المتحرك متحركا بالحركة ؛ إلا أنا نعلم أنه يجوز أن يتحرك ، ويجوز أن يسكن بدلا من التحرك . فإذا تخصص بأحد الحكمين ، لم يكن ذلك إلا لمقتض . ثم يبين بطريق السبر أنه علة وأن الحكم معلول بها . فإذا استبان طريق العلل [ و ] جواز أحكامها ، فإذا عللت من حيث جازت ، ينبغي أن لا يعلل الواجب ، من حيث وجب .
قلنا : هذا الذي عولتم عليه ، باطل من أوجه : أقربها : أن ما ذكرتموه من اعتبار الجواز فيما يعلل ، ليس يطرد ذلك لكم . فإنكم أثبتم جملة الأحكام الجائزة ، ولم تعللوها ؛ منها وجود الحوادث ، إذ الجوهر في عدمه جوهر ، وهو غير متصف بالوجود ، ثم يتصف بالوجود من غير علة تقتضي ذلك .
فإن قالوا : تعلق الوجود بالفاعل ، والغرض مما قلناه تعلق الحكم الجائز لمقتض ، سواء كان فاعلا أو علة .
قلنا : هذا تصريح بإبطال طرق العلة ، وتسبب إلى إفساد سبيل إثبات الأعراض ، ولا يثبت حدث العالم إلا بإثباتها ، ولا يثبت الدليل على المحدث ، إلا بعد ثبوت الحدث . ففي تعليق ما قلتموه بالفاعل ، نفي الفاعل .
وبيان ذلك : أنكم إذا جوزتم أن تثبتوا الاتصاف بالوجود ، مع تقدم كون الذات ذاتا ، ثم زعمتم أن الوجود الجائز يتجدد من غير استناد إلى عرض ، فبم تنكرون على من يقول :
إن المتحرك اتصف بكونه متحركا ، لفاعل من غير إثبات حركة ؟ وهذا يحسم إثبات الأعراض ، وقد سبق ذلك في صدر الكتاب .
الشامل في أصول الدين — صفحة 425
مساهمون: عبد الملك الجويني
ص٤٢٥