فصل [ ما يتعلق بالشرط والمصحح ]
أول ما نبدأ به : القول في الشرط والمصحح ، وما يتعلق بهما .
اعلموا أن الشرط إذا أطلق ، فالمراد به في أغراض المتكلمين ما لا يوجب ثبوت مشروطه ، ولكن يمتنع المشروط بانتفائه على الوجه الذي انتصب شرطا . وسبيلنا أن نذكر مثالا ، ثم نحرر بعده قولا ، فنقول : الحياة شرط في ثبوت العلم ، فلا يتحقق العلم دونها .
وهي ليست بموجبة للعلم ، إذ قد تصح الحياة دون العلم ، وإن لم يصح العلم دون الحياة .
فكانت الحياة شرطا في العلم من حيث امتنع العلم دونها ، ولم يمتنع تصورها مع انتفاء العلم . وهذا على خلاف العلة ، فإن العلة والمعلول ، مرتبطان ويتلازمان ، فلا يتقرر ثبوت أحدهما دون الثاني ، والمشروط يرتبط بالشرط ، من حيث لا يتحقق دونه . ولا يرتبط الشرط بالمشروط ، من حيث يتصور الشرط دون المشروط .
وتحرير العبارة في ذلك أن نقول : الشرط ما افتقر إليه المشروط ، ولم يتضمن بتحققه إيجابه . وبهذا يتميز عما ليس بشرط ، وينفصل عن العلل الموجبة .
ثم اختلف المتكلمون : فذهب جمهورهم إلى أن الحياة شرط في العلم ، وأنكروا أن يكون الحي شرطا ، إلا أن يعني بذلك نفس الحياة .
وذهبت المعتزلة إلى أن الشرط : كون الحي حيا . وراموا بذلك طرد الشاهد شاهدا وغائبا . إذ كون القديم تعالى عالما ، مشروطا عندهم بكونه حيا . فقالوا لذلك : إنما الشرط كون الحي حيا شاهدا .
والعجب منهم ، كيف شغفوا برعاية الموازنة في الشرط ، حتى لم يثبتوا شرطا غائبا ، إلا على الوجه الذي أثبتوه شاهدا ، وسمحت نفوسهم بأن لا يطردوا العلل ، وهم على مذاهب الكافة ألزم لمعلولاتها من الشرط . ولذلك تحقق الارتباط بين العلة والمعلول من الطرفين ، ولم يتحقق ذلك في الشرط والمشروط إلا من أحدهما .
قال القاضي : إذا نفينا الحال ، فالشرط هو الحياة . وإذا قلنا بالحال ، فلو سألنا عما هو شرط في ثبوت العلم ، لم يبعد أن نقول : الشرط في ثبوت العلم الحياة وكون الحي حيا .
إذ ليس أحدهما بأن يكون شرطا ، أولى من الثاني . و [ أ ] ما حد الشرط : ما قدمناه ، وهو أن يمتنع ثبوت الشيء ، حتى يتحقق غيره .
قال : ونحن وإن أحلنا كون الحال علة ، فلسنا نحيل كونه شرطا ، وذلك لأن العلة