تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الشامل في أصول الدين — صفحة 421

مساهمون:

ص٤٢١
نحو قولنا : إن العلم يوجب كون العالم عالما ، ثم يطرد ذلك في كل ما جمعه وصف العلم ، وإن اختلفت وتباينت أجناسه . وهذا من أهم أسئلة القوم . الجواب عن ذلك ، أن نقول : إن الذي ذكرتموه من اجتماع المختلفات في وصف ، لا ننكره ، وعليه بنينا جملا من كلامنا . ولكن كون العلم علما ، حال ووصف ثابت تجتمع فيه العلوم المختلفة والمتماثلة . وذلك الوجه ، هو الموجب للحكم ، فكان التعويل عليه ، ولا اكتراث بما عداه . وقد بلغنا الكلام في هذا الفصل ، مبلغا لا مزيد عليه . وأما ما استروحوا إليه من اجتماع الأخصين في صفة الاختصاص ، فلا محصول له . فإن كون السواد سوادا ، حال . فلو كان كونه أخص حالا ، لأدى ذلك إلى إثبات الحال للحال ، وهذا يفضي إلى جهالة عظيمة . إذ للقائل أن يقول : لو كان السواد سوادا ، كونه أخص الصفات حال ، لكان حاله لا يخلو من : وصف خصوص ؛ أو عموم . ثم يلزم أن يثبت له حال أيضا ، ثم كذلك القول في سائر الأحوال . وعندي : أنني قدمت استقصاء ذلك في كتاب « التماثل والاختلاف » . وإذا بطل أن يكون للحال حال ، خرج من ذلك أنه ليس لكون السواد سوادا بكونه أخص الصفات ، حال . فامتنع على المعتزلة امتناع ما يقع به الاختلاف في صفة الأخص . ووضح أن ذلك ليس من قبيل ما تمثلوا به من اجتماع العلوم المختلفة في حقيقة العلمية . ولو تعسف متعسف ومنع كون الاختلاف حكما واحدا ، كان ذلك قدحا منه في الأحوال والعلل والمعلولات . ولو جاز ادعاء الاختلاف تقديرا في حكم الاختلاف ، لساغ ادعاء الاختلاف من وجه الوجود ، حتى يقال : وجود القديم ، يخالف وجود الحادث ، من حيث الوجود من غير تعرض لصفة سوى الوجود . ولزم مثل ذلك في الصفة الجامعة للعلوم ، والصفة الجامعة للأكوان والألوان ، حتى يقال : العلم بالسواد يخالف العلم بالبياض في كونه علما ؛ والسواد يخالف البياض في كونه لونا ، والحركة تخالف السكون في كونها كونا . وهذا ما لا سبيل إليه ، اتفاقا من القائلين بالأحوال . فكذلك القول في الاختلاف والتماثل . ومما يوضح امتناع تعليل التماثل والاختلاف ، على أصول المعتزلة خاصة ، أنهم منعوا تعليل الواجب من الأحكام ، على ما سنفرد في ذلك فصلا إن شاء اللّه . ولذلك نفوا صفات القديم تعالى ، من حيث كانت الأحكام واجبة له . فنقول لهم : كما يجب للقديم كونه عالما ، فكذلك يجب له كونه مخالفا لخلقه ، فما لكم عللتم
الشامل في أصول الدين — صفحة 421 | عبد الملك الجويني