هذا المعنى في علم القديم . وهذا مما قدمنا الجواب عنه على الاستقصاء في كتاب « التماثل والاختلاف » .
فإن قيل : السؤال باق عليكم ، وإن ثبت لكم تقدير الاختلاف في الحكمين في حقيقة الاختلاف في الموجبين ، فكيف تستدلون بالحكم على خلافه ، وبالعلة على خلافها ؟
الجواب : إن العلمين ، وإن اختلفا ، فجمعهما كونهما علمين . وكذلك إن ثبت لحكميهما تقدير الاختلاف ، فيجمعهما أن كلا منهما متعلق بمتعلق واحد على وجه واحد . فإذا ثبت علم شاهدا ، واقتضى ذلك كون ما قام به عالما ، فلا يثبت مجامع له في هذا الوصف مخالفا له في هذا الحكم ، من حيث أنه لا علم إلا ويقتضي هذا الحكم . فهذا ما نقصده بالجمع .
والذي يوضح الحق في ذلك أن العلم الحادث إنما خالف الجمع القديم من حيث كان عرضا حادثا جائز الوجود ، مستحيل البقاء ، والعلم القديم يتنزه عن ذلك ، والصفات التي خالف العلم الحادث بها العلم القديم ، لا أثر لشيء منها في إيجاب كون المحل عالما . فإن العلم لم يوجب ذلك للمحل بحدثه ، ولا لجواز وجوده ، ولا لكونه عرضا ، وإنما أوجب للمحل الحكم لكونه عالما . وهذه الصفة ثابتة للعلم القديم ثبوتها للعلم الحادث . وإنما الاختلاف وراءها .
فالذي وقع الجمع فيه بين الشاهد والغائب لا اختلاف فيه . والوجوه التي يتحقق الاختلاف فيها غير مقصودة بالجمع ، ولا مؤثرة في الحكم . ولو ذهل عنها الجامع ، أو ذهلها ، لم يقدح ذلك في جمعه . وهذا مثل أن يعتقد المعتقد أن العلم شاهدا ليس بعرض ، أوليس بحادث . فهذه الاعتقادات لا تصده عن الوصول إلى أن العلم يوجب كون محله عالما . فالذي وهو مقصود بالجمع لا اختلاف فيه ، والذي فيه الاختلاف غير مقصود بالجمع ، فاندفع السؤال ووضح الانفصال .
والذي يحقق الحق في ذلك : أنهم استدلوا على وجود الرب بفعله ، وزعموا أن الطريق فيه الاستشهاد بالشاهد . فكما لا يصدر الفعل شاهدا إلا عن موجود ، لزم القضاء بمثله غائبا .
قيل لهم : وجود الباري يخالف وجود ما قالوا في جوابه ، [ و ] لا اختلاف في صفة الوجود . والذي يوضح ذلك أيضا اتفاق المحققين على جمع العلوم في حقيقة واحدة ، مع العلم باشتمال العلوم على المختلف والمتماثل ، ولكن العلوم - وإن اختلفت - فحقيقة العلمية جامعة لها . وإنما اختلافها في صفات زائدة على ما اجتمعت فيه من حقيقة العلمية .
فإذا لم يمتنع ذلك في الحقائق ، لم يمتنع في العلل .
الشامل في أصول الدين — صفحة 410
مساهمون: عبد الملك الجويني
ص٤١٠