تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الشامل في أصول الدين — صفحة 412

مساهمون:

ص٤١٢
بالثاني ، ويحسب أن سبيل الجواب عنهما واحد . فهذا واضح لكل متأمل . فهذه جمل مقنعة في العلل وأحكامها وصفاتها ، لم نغادر فيها نكتة على كثرة اعتنائي بتصفح أحكام العلل علما مني بأنها أصل الصفات وعمدتها ، وسبيل الوصول إليها ، والذي ذكرناه منطو على جميع ما ذكره الأئمة ، وقربناه بضروب من الإيضاح لم يوردها الأئمة استسهالا منهم لبعض الفصول ، أو ركونا إلى محض الاتفاق . ونحن الآن نعقد بابا فيما يعلل وما لا يعلل .

القول فيما يعلل وما لا يعلل

ذكر القاضي ، رضي اللّه عنه ، في الباب فصولا متفرقة ، يجمعها ثلاثة أقسام . أحدها : يشتمل على ذكر ما لا يصح تعليله . والثاني : يشتمل على ذكر ما يصح تعليله . والثالث : يشتمل على ذكر أحكام أوقفها القاضي على الدليل ، فلم يقطع فيها بإثبات ولا نفي . ونحن نبدأ بذكر جمل من الأحكام يمتنع تعليلها .

فصل فيما لا يعلل

فمما صدر القاضي الباب به أن قال : لا تعلل الذات في كونها ذاتا . والدليل على ذلك ، أنها لو عللت في كونها ذاتا بعلة ، لكانت العلة ذاتا أيضا ، ولوجب تعليلها ، ثم يفضي ذلك إلى التسلسل . ولو قال قائل . هلا عللتم الذات بحال للذات ؟ قلنا : هذا ممتنع . فإن الذوات تختلف أحوالها ، ويلزم من ذلك ، أن تكون علة كل ذات ، في حكم المخالفة لعلل سائر الذوات ، والذوات في كونها ذوات لا تختلف ، فيفضي ذلك إلى تعليل حكم واحد بعلل مختلفة . وهذا مما قدمنا الدليل على استحالته ، وسنزيده بسطا في أثناء الباب . ومما يستحيل أن يكون معلولا : العدم والانتفاء ، وكل ما يؤول إلى صفة نفي . وهذا من أهم الفصول ، فتدبروه . وكل ما دل على امتناع كون العدم علة موجبة ، من حيث كان نفيا محضا ، فهو بعينه يدل على امتناع كون العدم موجبا . ومن الدليل على ذلك أنا لو قدرنا عدم السكون ، مثلا ، علة لتحرك جوهر ، أو قدرنا عدم الحركة علة في سكون جوهر ، لأفضى ذلك إلى محال . وذلك لأن عدم السكون ، لو أوجب كون ذات متحركة ، لما اختص بذات من الذوات . فإن
الشامل في أصول الدين — صفحة 412 | عبد الملك الجويني