بالثاني ، ويحسب أن سبيل الجواب عنهما واحد . فهذا واضح لكل متأمل .
فهذه جمل مقنعة في العلل وأحكامها وصفاتها ، لم نغادر فيها نكتة على كثرة اعتنائي بتصفح أحكام العلل علما مني بأنها أصل الصفات وعمدتها ، وسبيل الوصول إليها ، والذي ذكرناه منطو على جميع ما ذكره الأئمة ، وقربناه بضروب من الإيضاح لم يوردها الأئمة استسهالا منهم لبعض الفصول ، أو ركونا إلى محض الاتفاق . ونحن الآن نعقد بابا فيما يعلل وما لا يعلل .
القول فيما يعلل وما لا يعلل
ذكر القاضي ، رضي اللّه عنه ، في الباب فصولا متفرقة ، يجمعها ثلاثة أقسام . أحدها :
يشتمل على ذكر ما لا يصح تعليله . والثاني : يشتمل على ذكر ما يصح تعليله . والثالث :
يشتمل على ذكر أحكام أوقفها القاضي على الدليل ، فلم يقطع فيها بإثبات ولا نفي . ونحن نبدأ بذكر جمل من الأحكام يمتنع تعليلها .
فصل فيما لا يعلل
فمما صدر القاضي الباب به أن قال : لا تعلل الذات في كونها ذاتا . والدليل على ذلك ، أنها لو عللت في كونها ذاتا بعلة ، لكانت العلة ذاتا أيضا ، ولوجب تعليلها ، ثم يفضي ذلك إلى التسلسل .
ولو قال قائل . هلا عللتم الذات بحال للذات ؟
قلنا : هذا ممتنع . فإن الذوات تختلف أحوالها ، ويلزم من ذلك ، أن تكون علة كل ذات ، في حكم المخالفة لعلل سائر الذوات ، والذوات في كونها ذوات لا تختلف ، فيفضي ذلك إلى تعليل حكم واحد بعلل مختلفة . وهذا مما قدمنا الدليل على استحالته ، وسنزيده بسطا في أثناء الباب .
ومما يستحيل أن يكون معلولا : العدم والانتفاء ، وكل ما يؤول إلى صفة نفي . وهذا من أهم الفصول ، فتدبروه .
وكل ما دل على امتناع كون العدم علة موجبة ، من حيث كان نفيا محضا ، فهو بعينه يدل على امتناع كون العدم موجبا . ومن الدليل على ذلك أنا لو قدرنا عدم السكون ، مثلا ، علة لتحرك جوهر ، أو قدرنا عدم الحركة علة في سكون جوهر ، لأفضى ذلك إلى محال .
وذلك لأن عدم السكون ، لو أوجب كون ذات متحركة ، لما اختص بذات من الذوات . فإن