تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الشامل في أصول الدين — صفحة 413

مساهمون:

ص٤١٣
ما انتفى عن ذات ، انتفى عن كل ذات . إذ العدم لعدم لا اختصاص له . وقد وضح أن حكم العلة إنما يختص بذات لاختصاص العلة بها ، وهذا أصل سبق إيضاحه . فإن قال قائل : بم تنكرون على من يزعم أن عدم السكون عن جوهر بعينه يوجب اتصافه بكونه متحركا ، وعدم السكون عنه مختص به ؟ وأوضحوا ذلك بأن قالوا : لما زعمتم أن الحركة الموجبة لكون محلها متحركا ، علة في هذا الحكم ، وشرطتم فيها اختصاصا ، ثم لم ترجعوا في الاختصاص إلى أكثر من قيام العلة بما له الحكم منها . فكما يتحقق الاختصاص على زعمكم بوجود الحركة لجوهر بعينه ، فكذلك إذا عدم عنه سكون بعينه بعد ما عهدناه فيه . فقد تحقق اختصاص العدم به على معنى أنه عدم عنه ، ولم يبق بين القولين فصل في الاختصاص ، إذ [ لو ] عدم السكون عنه ، ولم يعدم عن غيره ، لما وجدت الحركة به ، ولم توجد تلك الحركة بغيره . الجواب عن ذلك أن نقول : هذا الذي ذكرتم في تبيين الاختصاص ، باطل من وجهين : أحدهما : أن السكون إذا عدم عن جوهر ، فلا معنى لاختصاص العدم به ، إذ العدم انتفاء يناقض صفات الإثبات . فلا خرق بين قول القائل : عدم السكون عن جوهر ، وبين قوله : ليس فيه سكون . ونحن نعلم قطعا أن السكون الذي عدم ، فكما أنه غير موجود في هذا الجوهر ، فكذلك هو غير موجود في وقت عدمه في شيء من الجواهر ، وإضافة النفي إلى جميع الجواهر بمثابة واحدة . والسكون الذي ليس في الجوهر المعين ، ليس في غيره أيضا . والذي ذكره السائل من أن السكون كان قائما به ، فعدم عنه ، لا يوجب اختصاص النفي . وإنما الذي خيل إلى السائل ، اختصاص السكون ، إذ كان موجودا لمحله ، وذاك الاختصاص راجع إلى الوجود ، زائل بالعدم . فبطل ادعاء الاختصاص في العدم . ثم نقول : يلزم من ذلك تحرك الأعراض ، من حيث انتفى عنها السكون . وذلك يفضي إلى استحالة قدمناها في صدر الكتاب . والوجه الآخر : أن الذي لم يخلق فيه السكون أصلا متحرك ، وإن لم يقدر فيه سكون أولا ، حتى إذا عدم ، قيل : اختص عدم السكون به . فلو روعي معنى الاختصاص على الوجه الذي رامه السائل ، للزم أن يقال : إذا لم نعهد في الجوهر سكونا ، فلا يكون متحركا ، إذ لم يعدم عنه سكون وجد به قبل . فبطل ما قالوه من كل وجه . واعلموا أن الذي مهدناه يرشد إلى أصول في الديانات ، استدلالا وانفصالا . فأول ما فيه التقصي عن سؤال الدهرية ، إذ قالوا : إذا لم يفعل الباري ، ولم يخلق في أزله ، وجب أن