ومما يوضح ما قلناه ، أن المعتزلة - وإن خالفونا في أحكام العلل - لم يخالفونا في قضية الشرط ، وحكموا بوجوب طرد الشرط شاهدا وغائبا ، وقالوا : إذا كان الواحد منا عالما شاهدا ، مشروطا بكونه حيا ، فكذلك كون القديم تعالى حيا شرط في كونه عالما قادرا .
فيقال لهم : كون القديم تعالى حيا في حكم المخالفة لكون الواحد منا حيا ، وكذلك كونه عالما . ثم ساوى كونه عالما ، كون الواحد منا عالما ، في أنه مشروط بكونه حيا . فإذا لم يبعد ذلك ، مع تقدير الاختلاف في حكم الشرط ، لم يبعد في حكم العلة . فقد وضح اندفاع السؤال من كل وجه .
فإن قال قائل : قد تمسكتم في دفع أعظم الأسئلة باجتماع العلم الحادث والقديم في العلمية ، فهلا سلكتم هذه الطريقة في السؤال الذي وجهه القاضي ، حيث قال : إذا جاز أن يفيد العلم الواحد أحكاما في حكم الاختلاف ، فما المانع من أن توجب الصفة الواحدة حكم القدرة والعلم والحياة ؟ قالوا : هلا استروحتم في دفع هذا السؤال إلى مثل ما قدمتموه ، وقلتم : أحكام العلوم ، وإن تباينت ، فحقيقة العلمية جامعة لها ، فينبغي أن يغنيكم هذا الكلام عن الاسترواح إلى السمع ، والاعتراف بأنه ليس في قضية العقل ما يدفع هذا السؤال ؟
قلنا : قد تمسك بعض من لم يحصل علم هذا الباب بما ذكره السائل ، وهو غير مرضي عندنا في دفع السؤال الأول ، وليس كل ما يتجه في موضع جوابا ، يتجه في غيره .
ونحن الآن نوضح ذلك ، ليزداد الفصل الأخير وضوحا ، ويستبين بطلان التمسك به في دفع السؤال الأول . وذلك الذي سألنا عنه آخرا وجهه أنه قيل لنا : إذا كان الواحد منا عالما بالسواد لعلمه ، فلم يجب أن يكون القديم عالما بالعلم ، وكونه عالما خلاف كوننا عالمين ، وعلمه عند مثبتي العلم خلاف علمنا ؟ فقلنا مجيبين :
الوجه الذي اقتضى العلم من أجله كون من قام به عالما ، ليس يختلف فيه العلمان ، فحسن الطرد من حيث لم يتحقق الاختلاف في الوجه الموجب للحكم . وهذا واضح جدا في دفع السؤال . ولو رمنا مثله في السؤال الأول ، لم يستقم . فإنا لو قلنا في الجواب عنه :
أحكام العلوم تجمعها حقيقة العلمية ، كان ذلك تمويها منا . وذلك أن كون العالم عالما بالسواد ، ليس موجبه مجرد كون العلم علما حتى يستقيم . فالاجتماع في حقيقة العلم إسناد جملة الأحكام إلى علم واحد ، إذ لو استقام ذلك لوجب مثله في العلم الحادث من حيث تثبت له حقيقة العلمية . فبطل إذا الاسترواح إلى ذلك ، ولم يبق لذوي التحصيل غير مسلكين : أحدهما ما حكيناه عن الأستاذ أبي سهل الصعلوكي ، وأنه يثبت لكل حكم علة .
والمسلك الآخر : الاستشهاد بالسمع ، وإنما أعد هذا الفصل حتى لا يخلط السؤال الأول
الشامل في أصول الدين — صفحة 411
مساهمون: عبد الملك الجويني
ص٤١١