الزائغين ، علة في وجود العالم . وذلك أنا نقول : لو كان كذلك ، للزم القول بقدم العالم ، إذ المعلول لا يستأخر عن العلة الموجبة ، وقد قدمنا أوضح الأدلة على حدث العالم .
وإن رام السائل بما قال أن الباري تعالى فاعل العلم ومنشئه ، ولولاه لما وجد ، فقد أصاب في المعنى وزل في اللفظ ، حيث سمي وجود القديم علة موجبة . فوضح بما ذكرناه استحالة كون وجود القديم تعالى علة في شيء .
وكذلك يبطل أن يكون القائم بالنفس الحادث ، علة في الأحكام المعلولة ، نحو كون العالم عالما وكون القادر قادرا . والدليل على ذلك ما قدمنا ذكره من استحالة قيام جوهر بجوهر . ومن حكم العلة وجوب قيامها بمن له الحكم منها . وكذلك لا اختصاص لبعض الجواهر بأن تكون عللا ، فإنها جنس واحد ، ولا اختصاص لها ببعض الأحكام دون بعض ، وسبيل طرد الدلالة كما سبق .
فصل [ العلة أولى بكونها علة من المعلول ]
فإن قال قائل : قد أوضحتم بطلان كون القائم بالنفس علة ، وزعمتم أن العلة هو المعنى القائم بمن له الحكم منه ، كالعلم والقدرة والإرادة ونحوها ، وزعمتم أن العلم علة لكون محله عالما ، فبم تنكرون على من يقلب عليكم مرامكم ، ويجعل العلة معلولا ، والمعلول علة ، فيقول : كون العالم عالما هو العلة ، والعلم معلول على الضد من قولكم .
وربما أوضح السائل سؤاله وقال : الافتراق وجوبا متحقق من الطرفين جميعا ، فلم كان أحدهما أولى بكونه علة من الثاني ؟
الجواب عن ذلك أن نقول : ذات العلم حادثة بالقدرة ، والقدرة مؤثرة في إحداثها ، ومن ضرورة الحادث كونه شيئا ثابتا موجودا ، ويستحيل مع ذلك أن يكون موجبا عن علة ، وقد ثبت بالقدرة حدوثه . والحدوث ليس بحال زائد عن الذات ، فكيف يتعلق الشيء بالقدرة وإيجاب العلة ! !
فاستحال من ذلك كون ذات العلم معلولا . وأما الحال فلا توصف بكونها شيئا ، فيلزم وصفها بالحدوث .
وهذه الطريقة تقوى ، إذا لم نجعل المعلول بالقدرة . وإنما جعلنا العلة بالقدرة والمعلول بالعلة . وهذا ما اضطرب فيه المحققون . وسنعقد في ذلك فصلا إن شاء اللّه .
وسلك القاضي في « النقض الكبير » طريقين : إحداهما أنه قال : هذه المطالبة راجعة إلى ألفاظ لا محصول لها ، إذ مقصدنا بذكر العلة والمعلول ورسم ذاتيهما ، الإنباء عن اقتران