معلومين وجوبا ولزوما بحيث لا يتقدر في المعقول ثبوت أحدهما دون الثاني . ثم أحد المعلومين شيء والآخر ليس بشيء ، فتواضع أهل التحصيل على تسمية الشيء موجبا ، والحال التي ليست بشيء موجبا . ولا اعتراض على التواضع وإنما الغرض في المعنى تلازم المعلومين ، واقتضاء كل واحد منهما الثاني . وهذه طريقة سديدة ، إذا حكمنا بأن الأحوال تقع بالقدرة ، كما أن الذوات تقع بها .
والطريقة الأخرى أنه قال : قد سبق الدليل على بطلان كون العدم علة ، والحال تشارك العدم في أنها ليست شيء . وهذه الطريقة فيها نظر عندي . فإنه كما استحال كون العدم علة ، فكذلك يستحيل كون العدم حكما معلولا .
فصل [ الحكم الواحد لا يثبت بعلتين لا مختلفتين ولا متماثلتين ]
قد قدمنا أن الحكمين لا يثبتان بالعلة الواحدة على تفصيل استقصيناه . ونحن الآن نريد تذكر أن الحكم الواحد لا يثبت بعلتين لا مختلفتين ولا متماثلتين . واعلموا أن المحل إذا اتصف بكونه عالما بشيء ، فهذا الحكم لا يثبت إلا عن علة واحدة . والدليل عليه أنا لو قدرنا ثبوته عن علتين ، ولم يخل القول فيهما : إما أن يقال هما مثلان ، أو خلافان . ويبطل كونهما مثلان لقيام الدلالة على تضداد كل مثلين ، على ما سنوضحه في باب التضاد . وإن قدرناهما خلافين غير ضدين ، فإن كان كل واحد منهما لو انفرد ، لاستقل بإثارة الحكم وإيجابه ، فلا فائدة في الثاني إذا بعد ثبوت الحكم بأحدهما .
وبهذه الطريقة نحيل كون العالم بالسواد عالما بعلمين ، إذ يجر قود القول في ذلك إلى إثبات علم غير مفيد ، وجوده وعدمه بمثابة واحدة ، ولو قدرنا للحكم الواحد معنيين ، وزعمنا أن أحدهما لو انفرد لم يوجب الحكم .
وإبطال ذلك هو الغرض بعقد هذا الفصل ، وهو من أعظم الأركان في العلل ، وهو الذي أطلقه الأئمة في مصنفاتهم وقالوا : العلة العقلية لا تتركب ، وإنما هي ذات وصف واحد . والدليل على ذلك أنا إذ قدرنا صفتين وعلمنا أن إحداهما لو قدرت منفردة ، لم تؤثر في اقتضاء الحكم ، فإذا انضم إليها غيرها ، فذلك الغير لا يغير جنسها ولا يقتضي لها صفة لم تكن . إذ العرض لا يوجب للعرض وصفا . فإذا بطل خروج الوصف الذي قررناه مفردا في حقيقة جنسه عن إيجاب الحكم فإذا بطل خروج الوصف الذي قررناه مفردا في حقيقة جنسه عن إيجاب الحكم بنفسه ، ووضح أن انضمام غيره إليه لا يغير صفته ، وإيجاب العلة المعلول من صفة نفس العلة ، وصفات النفس لا تختلف بالانفراد والانضمام ، فلو جعلناه