تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الشامل في أصول الدين — صفحة 409

مساهمون:

ص٤٠٩
مؤثرا مع غيره - لأثبتنا له صفة نفس لم تكن ، وهذا محال . فينبغي أن يقال : ما لا يؤثر عند انفراده ، لا يؤثر مع غيره ، ووجوده في الثانية بمثابة عدمه . والذي يوضح ذلك أن السواد لما لم يؤثر في كون العالم عالما ، لو كان مفردا ، فكذا استحال تأثيره مع غيره . إذ إيجاب العلل من أحكام أجناسها ، وأحكام الأجناس لا تتغير بالانفراد والانضمام ، فهذا وجه إيضاح المقصد من هذا الفصل .

فصل [ هل يجوز أن يثبت حكم مرتين بعلتين مختلفتين ؟ ]

إن قال قائل : هل يجوز أن يثبت حكم بعلة ، ثم يثبت ذلك الحكم بعينه بعلة أخرى تخالف العلة الأولى ؟ وهذا من أغمض الأسئلة ، وهو بقية أحكام العلل . وربما يقول السائل في إيضاح السؤال : إن قلتم بجواز ذلك ، فما يؤمنكم أن يوجب كون العالم عالما تارة العلم ، وتارة القدرة . هذا لو جوّز إثبات حكم بعلتين مختلفتين . قالوا : وإن منعتم ذلك ، جركم إليه أصلكم . فإن الرب سبحانه عالم بسواد معين بكون الواحد منا عالما به ، ثم علمه يخالف علمنا ، فقد أثبتم حكما واحدا بعلتين مختلفتين . والمعتزلة تتوصل بهذا السؤال في ظنها وتوهمها إلى صد أهل الإثبات عن إثبات الصفات بطريق العلل . فإن ما ثبت معللا شاهدا ، فسبيل طرده أن يثبت غائبا معللا بمثل العلة التي تثبت شاهدا . قالوا : وقد امتنع عليكم إثبات علة غائبا تماثل العلة شاهدا . وهذا قادح في طريق الاستدلال ، وهذا من أعظم تمويهاتهم . وكذلك للقاضي فيه جوابا يشفي ، ولكنه يستقصي السؤال ، ولا يغرق في الجواب . ونحن ، بعون اللّه ، نستقصي القول فيه إن شاء اللّه فنقول : إذا اتصف الرب سبحانه وتعالى بكونه عالما بشيء ، واتصف الواحد منا بكونه عالما به ، فلا يتصف الحكمان بحقيقة التماثل والاختلاف لما أوضحناه في الأحوال بكونها لا تتصف بكونها أشياء . والاختلاف والتماثل من صفات الوجود ، ولكن يقدر فيهما التماثل والاختلاف . فمهما اختلفت العلل ، قيل في أحكامها : إنها في حكم المختلفة . فإذا وضح ذلك ، فنقول : في كون الرب تعالى عالما بالشيء ، أنه في حكم المخالفة لكوننا عالمين به ، إذ لو كان في حكم المماثلة ، لتماثل الموجبان لا محالة ، وأفضى ذلك إلى إثبات علم حادث للقديم . فإن قيل : ليس اجتماع الشيئين في أخص أوصافهما ، أو في أخص أوصاف أحدهما ، يوجب تماثلهما . ونحن نعلم أن أخص أوصاف علمنا بالسواد ، كونه علما به . وقد تحقق