فإن قال قائل : فهلا قلتم إنها توجب كونه قادرا من حيث أن كونه قادرا لا يفارق كونه عالما ، بل هما حكمان واجبان للقديم سبحانه وتعالى ؟
الجواب عن ذلك من وجهين : أحدهما أن نقول : حكم القدرة يباين حكم العلم من حيث يصح أن يعلم ما لا يقدر عليه . والرب ، عز اسمه ، عالم بذاته وصفاته المتقدسة عن أن تكون مقدورة . فالقدرة إذا لا تتضمن هذا الحكم . فاستحال صرف الحكمين إلى موجب واحد . وهذا يطرد في السمع والبصر والإرادة ، إذ العلم يتعلق بالمعدوم ولا يتعلق به السمع والبصر .
فهذا أقصى الإمكان في الفصل عقلا ، وفيه نظر عندي . والسديد أن نقول : كل حكمين يجوز في العقل ثبوت أحدهما دون الثاني ، لزم القطع باستحالة ثبوتهما بعلة واحدة .
وأما الحكمان المقترنان وجوبا ، أو الأحكام المقترنة لزوما ، فلا نقطع فيهما بوجوب اتحاد العلة ولا بوجوب تعددها ، إلا أن تدل دلالة أخرى لا تتعلق بقضايا العلل فنتبعها . فالأحسن إذا طريقة القاضي في رد الأمر إلى السمع . فهذا أقصى ما يمكن في هذا الفصل .
فصل [ استحالة أن تكون العلل ذواتا بل هي معاني ]
ومما ينبغي أن يحيطوا به علما أن يعلموا أن العلل يستحيل أن تكون ذواتا قائمة بأنفسها ، بل يجب القطع بكونها معاني . والدليل على ذلك أن القائم بالنفس لو كان علة لم يخل : إما أن يكون قديما أو حادثا . ويستحيل أن يكون القديم سبحانه وتعالى علة موجبة لشيء من الأحكام المعلولة . والدليل على استحالة ذلك أوجه : منها : أن ما أوضحناه من اشتراط قيام العلة بمن له الحكم منها - وهذا مستحيل في صفات القديم تعالى - فإنه يتقدس عن القيام بالحوادث ، فاستحال كونه علة في أحكامها .
ومما يوضح ذلك أن وجود القديم لا اختصاص له ببعض الحوادث دون بعض . فكان يلزم - لو قدر موجبا - أن يوجب لجملة الذوات ، حتى إذا علمت ذات ، علمت الذوات كلها ، وكذلك القول في جملة الأحكام . [ و ] كما لا اختصاص لوجود القديم ببعض الأجسام ، فكذلك لا اختصاص له ببعض الأحكام . ويلزم من تقدير وجود علة ، أن تثبت جملة الأحكام ، إذ ليس بعضها أول من بعض . وهذا يفضي إلى المحال ، فإن الأحكام فيها المتناقضة لحكم الجهل ، والعلم ، القدرة ، والعجز .
وبقريب من هذه الطريقة نرد على من قال : إن وجود القديم ، تعالى عن قول