تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الشامل في أصول الدين — صفحة 405

مساهمون:

ص٤٠٥
لزم استواؤهما في جميع صفات النفس ، فإذا لم توجب إحداهما إلا حكما واحدا ، لزم ذلك فيما يماثلها . وإن زعم الخصم أنهما خلافان ، لم يخل : إما أن يكونا : ضدين ، وإما أن يكونا خلافين غير ضدين . وباطل أن يكونا ضدين . فإن العلل مهما تتناف في المعقول أحكامها ، استحال تضادها في أنفسها . والذي يحقق ذلك أن الحركة لما لم يناف حكمها حكم العلم ، لم تضاد الحركة العلم ، ولما نافى كون المحل جاهلا بالشيء كونه عالما به ، تضاد العلم والجهل . ولو قدرنا علتين توجب إحداهما كون المحل عالما ، والأخرى توجب كونه عالما قادرا ، فليس في هذه الأحكام تناف وتنافر ، فاستحال تضاد العلتين . ولو قدرناهما خلافين غير ضدين ، كان ذلك محالا . إذ من حكم كل خلافين ليسا بضدين ، أن لا يضاد أحدهما الثاني . وبيان ذلك أن الحركة مع العلم لما كانا خلافين غير ضدين ، لم يستحل ثبوت ضد الحركة مع العلم . فلو نزل ما نحن فيه هذه المنزلة ، للزم أن لا يضاد ضد أحدهما الثاني ، حتى إذا كان أحدهما يوجب حكم العلم والقدرة والثاني يوجب حكم العلم . فلو قدرنا ثبوت ضده ، لم ينتف به ما يوجب الحكمين . فكان يجب أن يكون جاهلا لثبوت الجهل ، عالما لبقاء العلة الموجبة للحكمين . وقد قدمنا الكلام في هذه المسألة عند ذكرنا صفات النفس والمعنى في أحكام التماثل والاختلاف . فهذا كلام في أحد الطرفين ، وهو أن نقدر حكما يسوغ ثبوت أحدهما دون الثاني . فأما إذا قدر حكمان لا يتقرر في المعقول ثبوت أحدهما دون الثاني ، وهما معللان ، يسوغ تعللهما بعلة واحدة . والذي يحقق ذلك أنه لما استحال أن يعلم السواد من لا يعلم نفسه عالما بالسواد فعند ذلك قال : من حقق أن العلم المتعلق بالسواد هو المتعلق بكون العالم عالما بالسواد ، لما استحال افتراق الحكمين ، فأثبتوا علما واحدا موجبا لهذين الحكمين . ولا يلزم في هذا القسم ما لزم في القسم الأول ، إذ قاعدة الدلالة في القسم الأول ، مبنية على جواز ثبوت أحد الحكمين دون الثاني على ما قدمناه . فإن قال قائل : ما قولكم في علم الباري المتعلق بالمعلومات ؟ قلنا : سبيل تقريب القول أنه لما استحال اختصاص الرب بأن يعلم بعض المعلومات على التناهي ، أو يعلم معلوما واحدا دون غيره - ووجب كونه عالما بما لا يتناهى - لم يبعد أن توجب الأحكام علة واحدة .