مخبرا ، آمرا ، ناهيا . وهذا يفضي إلى القول بثبوت أحكام على علة واحدة .
وإن زعمنا أن كون الكلام أمرا نهيا ، مما يتعلق بصفات الفعل ، كالخالق والرازق ، فلا يكون آمرا ، ناهيا ، مما يعلل . فإن ما يتعلق بصفات الأفعال لا يكون أحوالا فيعلل .
واتفق أرباب الحقائق مع ما قدمناه من الأصول على استحالة كون العرض الواحد علما قدرة . وكذلك القول في كل صفتين خاصيتين يختص بكل واحدة منهما جنس من الأعراض ، فلا يسوغ اجتماعهما للعرض الواحد وفاقا . وإنما الاختلاف في جواز تعلق العلم الحادث بمعلومين على التفصيل . وهذا فيه كلام طويل ويستقصي في أحكام العلوم إن شاء اللّه .
فهذه جمل لمذاهب . والذي يجب التعديل عليه منها ، ما نذكره الآن ، فنقول : كل حكمين معللين يجوز ثبوت أحدهما مع انتفاء الثاني ، فلا يثبتان معللين بعلة واحدة . هذا أحد طرفي الكلام ، فنوضح ما فيه ، ثم ننعطف على الطرف الثاني إن شاء اللّه تعالى .
فكون العالم عالما وكونه قادرا شاهدا ، حكمان يسوغ تقدير أحدهما مع انتفاء الثاني ، وهما معللان . فلا يسوغ أن تقتضي العلة الواحدة هذين الحكمين ، وهو متفق عليه لم يؤثر فيه اختلاف . وإنما التناقش في الحجاج عليه .
والذي عول عليه القاضي أن قال : لو ثبت هذان الحكمان بعلة واحدة ، ولم يخل القول فيها : إما أن يقال : إنها لا تثبت إلا موجبة للحكمين جميعا ، أو يسوغ ثبوتها موجبة لأحد الحكمين ، أو تنقسم العلة : فمنها ما يوجب الحكمين ، مهما تحققت ، ومنها ما لا يوجب إلا أحدهما .
فإن زعم المطالب أنها توجب الحكمين ولا علة سواها ، أفضى ذلك به إلى أن يقول :
لا يسوغ ثبوت أحد الحكمين دون الثاني ، وهذا معلوم بطلانه بضرورة العقل . فإن الواحد قد يعلم ما لا يقدر عليه ، وقد يقدر على الأصح من المذهب ما لا يعلمه .
وإن زعم الخصم أن العلة توجب الحكمين مرة ، وأحدهما أخرى ، كان ذلك محالا لما قدمناه من أن الموجب الحكم يجب أن يطرد وينعكس . فلو ساغ ثبوت العلة غير موجبة لأحد الحكمين في حال ، لم تكن موجبة له في كل حال .
وإن زعم المطالب أن العلة التي توجب الحكمين لا توجد إلا موجبة الحكمين ، ولكن قد تثبت علة لا توجب إلا أحد الحكمين ، وهما متغايرتان ، فيقال للسائل : إذا قدرنا علتين ، لم يخل حالهما من أن يكونا : مثلين ، أو خلافين ، أو لا مثلين ولا خلافين . فإن كانا مثلين
الشامل في أصول الدين — صفحة 404
مساهمون: عبد الملك الجويني
ص٤٠٤