تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الشامل في أصول الدين — صفحة 403

مساهمون:

ص٤٠٣
وعند ذلك وجه القاضي على نفسه سؤالا فقال : لو قال قائل : إذا جوزتم أن يوجب العلم للباري تعالى كونه عالما بجميع المعلومات مع اختلاف هذه الأحكام فيه ، فهلا جوزتم أن تثبت للباري صف واحدة وتوجب له كونه ، قادرا ، عالما ، مريدا ، حيا ، متكاملا ، باقيا ، سمعيا ، بصيرا ؟ ثم قال بعد استفراغ المجهود : لا يثبت ما طالبوا به عقلا ، وإنما يدرك سميعا ، فنعلم بقضية العقل تعلق هذه الأحكام بموجب . فأما كون الموجب واحدا أو زائدا على الواحد ، فيدرك سمعا . قال رضي اللّه عنه : وطريق السمع فيه الاجماع . فإن أهل العقول انقسموا إلى النفي والإثبات ، وما صار أحد إلى إثبات صفة واحدة على الاحتواء بها . وقد أحال بعض الأصحاب في دفع السؤال بطرق لا تستقيم واحدة منها . وإنما السديد طريقة القاضي . وقد سمعت الشيخ الرئيس الإمام أبا المحاسن الجرجاني « 1 » ، وهو نسيج وحده وفريد عصره ، يحكي عن الأستاذ أبي سهل الصعلوكي « 2 » ، وهو أخص تلامذة شيخنا رضي اللّه عنه ، وقد قال : للّه تعالى علوم لا تتناهى وقدر لا تتناهى ، فلا يبعد إثبات موجبات لا تتناهى ، وكذلك القول في جملة الصفات المتعلقة بالمتعلقات التي لا تتناهى . وأما إذا لم يبعد إثبات أحوال لا تتناهى ، فلا يبعد إثبات موجبات لا تتناهى . وعلى هذه الطريقة يندفع السؤال . لا يجب حكم إلا بموجب واحد . وهذا متجه جدا حجاجا ، وإن بعد نقلا ومذهبا ولم يعزه الأستاذ أبو سهل إلى شيخنا ، بل اختار ذلك مذهبا لنفسه . وسيكون لنا عودة إن شاء اللّه إلى ذلك ، عند انغماسنا في الصفات . ومما يجب أن يحيطوا به علما ، أنا إذا وصفنا الرب بكونه آمرا ، ناهيا ، في أزله ، والكلام في موجبات الأحوال عندنا ، فيلزم على ذلك أن نجعل الكلام علة في كونه تعالى
هامش
( 1 ) علي بن عبد العزيز بن الحسن الجرجاني ( . . . - 392 ه . . . - 1002 م ) ، أبو الحسن قاض من العلماء بالأدب ، كثير الرحلات . له شعر حسن . ولد بجرجان وولي قضاءها ، ثم قضاء الري فقضاء القضاة . وتوفي بنيسابور وهو دون السبعين ، من كتبه « تهذيب التاريخ » و « ديوان شعر » و « الوساطة بين المتنبي وخصومه » وغير ذلك . الأعلام 4 / 300 ، وشذرات الذهب 3 / 56 ، والبداية والنهاية 11 / 331 ، ووفيات الأعيان 3 / 278 . ( 2 ) محمد بن سليمان بن محمد بن هارون الحنفي ( 296 - 369 ه 908 - 980 م ) أبو سهل الصعلوكي فقيه شافعي ، من العلماء بالأدب والتفسير . له شعر كثير . مولده بأصبهان وسكنه ووفاته بنيسابور 32 سنة ، ورويت عنه فوائد . الأعلام 6 / 149 ، ويتيمة الدهر 4 / 299 ، والوافي بالوفيات 3 / 124 ، وطبقات الشافعية 2 / 161 - 164 ، ووفيات الأعيان 4 / 204 - 205 .