تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الشامل في أصول الدين — صفحة 383

مساهمون:

ص٣٨٣
نخوض وأحكامها مستعينين باللّه تعالى .

باب في حقيقة العلة

قد ذكر أهل اللغة وجوها في معنى العلة واشتقاقها . وليس ذكرها من غرضنا ، وإنما مقصدنا ذكر ما قاله أهل الكلام في حقيقة العلة . وقد اختلفت عباراتهم في ذلك . فذهب بعضهم إلى أن العلة : ما كان المعتل بها معتلا . وهو كقوله كان كذا وكذا لأجل كذا وكذا ، وهو اختيار ابن الراوندي . وذهب الكعبي إلى أن العلة : ما أوجبت معلولها عقيبها على الاتصال ، إن لم يمنع منه مانع . وذهب معظم المعتزلة إلى أن العلة : هي التي تغير حكم محلها ، وتنقله من حال إلى حال . وعبر بعضهم عن ذلك فقال : العلة ما تحدد الحكم بتحددها . وذهب أهل الحق إلى ألفاظ متباينة في العبارات متدانية في المعنى . فقال بعضهم : العلة : هي الصفة الحالة للحكم . وقال بعضهم : المثيرة للحكم ، وقال بعضهم : المؤثرة في الحكم . وقال الأستاذ أبو بكر : ما يجب الاعتماد عليه في حقيقة العلة أن يقال : كل ما أوجب استحقاق حكم وتسمية به . والصحيح في حقيقة العلة ما ارتضاه القاضي ، رضي اللّه عنه ، حيث قال : العلة هي الصفة الموجبة لمن قامت به حكما . ونحن الآن نوضح بطلان ما قدمناه من الطرق ، حتى إذا استبان فسادها ، ما ضح بعد فسادها ، ما ارتضاه القاضي رضي اللّه عنه . فأما ما قاله ابن الراوندي من أن العلة : ما كان المعتل بها معتلا ، فهذا رد منه للعلل إلى الأقوال . ويلزمه على مقتضى أصله : أن لا يميز بين صحيح القول وفاسده ، حتى إذا ذكر الذاكر وجهين متناقضين وأظهرهما على المعرض الذي قاله فيكونا جميعا علتين . ووجه الرد على صارف العلل إلى الأقوال كوجه الرد على من صرف الحقائق والحدود والصفات إلى الأقوال . وهذا يستقصي [ في ] باب الوصف والصفة والاسم والمسمى إن شاء اللّه . وأما ما قاله الكعبي فمضطرب جدا . فإنه قال : العلة هي التي توجب حكمها عقيبها إن لم يمنع مانع . وهذا باطل من عدة أوجه : أحدها أن نقول له : هل تجوزنا عرو العلة عن معلولها ، في أول وجودها ، أم لا تجوز ذلك ؟ فإن لم تجوّزه ، فلا معنى لتقييدك القول بالتعقيب . فإن جوّزت تعريها عن معلولها في أول حال وجودها فما المانع من تجويز ذلك في الحالة الثانية والثالثة ، إذ وجود العلة في الحالة الثانية لا يخالف وجودها في الأولى .