تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الشامل في أصول الدين — صفحة 380

مساهمون:

ص٣٨٠
على أنا نقول : إن لم يبعد توقف معظم أهل الإثبات في اختلاف الصفة القديمة وتماثلها ، مع تحقق الوجود لها ، فكيف يستبعد ذلك في الأحوال التي لا تتصف بالوجود ؟ وربما تمسك نفاة الأحوال بأن قالوا : في إثبات الأحوال الحكم بجواز تماثل المختلفين من وجه ، مع اختلافهما من وجه آخر . ويلزم من قود ذلك كون الرب تعالى مماثلا لخلقه في بعض الوجوه . والكلام في ذلك يطول ، وقد كشفنا فيه الغطاء في كتاب « التماثل » وبلغنا فيه الأمر منتهاه ، ومن شرطنا أن لا يتكرر ما وجدنا إلى التكرار سبيلا .

فصل [ أصول الأحوال ومقدماتها ]

فإن قال قائل : إذا قلتم بالأحوال ، ولم تصفوها بالوجود والعدم ، ولم تصفوها بكونها أشياء ، فهل تقولون إنها معلومة على حالها ، مقدورة مذكورة ، مرادة ، مخبر عنها ؟ قلنا : أما ابن الجبائي ومن تبعه من متأخري المعتزلة ، فلم يصفوا الأحوال بكونها معلومة ، ثم كما لم يصفوها بذلك ، لم يحكموا بكونها مجهولة . فإن الجهل ضرب من الاعتقاد ، وما لا يصح أن يعلم لا يصح أن يجهل . إذ من مذهب القوم أن الجهل من جنس العلم . وسنوضح ذلك في أحكام العلوم إن شاء اللّه . وأنكروا أيضا كونها مقدورة ومرادة مدلولة على حيالها وانفرادها . ثم قال أبو هاشم : أنا ، وإن لم أقل إن الحال معلومة ، فأقول : إن الذات معلومة على الحال ، وتتميز في حكم علم العالم ذات على حال عن أخرى ليست عليها . وإنما صدهم عن القول بكون الأحوال معلومة أنهم قالوا في حقيقة الشيء : أنه المعلوم على ما قدمناه على أصلهم في صدر الكتاب . فلو وصفوا الحال بكونها معلومة ، لزمهم من أصلهم الحكم بكونها شيئا . ثم الشيء عندهم موجود أو معدوم يصح وجوده . قال : نحن إذا اخترنا القول بالأحوال ، قطعنا بأنها معلومة مقدورة ، مرادة مدلولة ، مذكورة على انفرادها وحيالها . والدليل على كون الأحوال معلومة أن نقول : من علم الذات ولم يحط بحالها علما ، ثم علم بعد ذلك كون الذات على حال ، فنحن نعلم قطعا أنه علم ما لم يعلمه ، واستفاد ما لم يحط به أولا ، فينقسم الكلام على من يخالفنا ونقول : إذا علم الذات ، ثم علم الحال ، لم يخل القول في ذلك : إما أن يقول : علم عين الذات ثانيا ، وذلك محال ، فإنا نعلم أنه أحاط الآن بما لم يحط به أولا . ولو ساغ أن يقال إنه علم ثانيا ما علمه أولا ، لساغ أن يقال : من