ولا يجب أن يختلف حكمها في الإيجاب بتعاقب الأزمنة .
والذي يوضح ذلك أنا نقول له : هل تحكم بأن العلم [ هو ] العلة في كون محله عالما ؟
فإن أبى ذلك ، فقد أنكر العلل التي فيها الكلام ، وإن اعترف بأن العلم علة في كون محله عالما ، روجع بعد ذلك وقيل له : إذا قام العلم بمحل ، فهل يتصف المحل في الحالة الأولى من وجود العلم بكونه عالما ؟ فإن زعم أنه يتصف بذلك ، فقد أبطل فائدة التعقيب . وإن زعم أن المحل لا يتصف بكونه عالما في الحالة الأولى مع قيامه به ، فقد باهت مباهتة عظيمة .
ولا نراه يقول ذلك ، وإنما حمل الكعبي على هذا التقييد ، مصيره إلى أن السبب المولد علة في المسبب المتولد . ثم من حكم المسبب عندهم أن يعقب السبب إن لم يمنع منه مانع .
وسنعقد فصلا نوضح فيه بطلان كون السبب علة ، مع تقدير القول بالتولد .
ثم يقول الكعبي : العلوم والقدر وما عداها من الصفات ، علل عندك في إيجاب المعلولات لمحالها ، والجمل التي محالها منها . ثم من حكم هذه المعلولات وجوب مقارنتها لعللها ، واستحالة امتناع تقدير مانع مع تحقق عللها . والحكم الذي ذكرته في التعقيب وامتناع المعلول يتخصص بالسبب والمسبب . وشرط الحد أن يعم ويشتمل على منهج واحد ، جملة المحدودات . وإذا اختص الحد بالإنباء على أوصاف بعض المحدودات ، كان قاصرا غير شامل .
وأما ما ذكره المعتزلة من أن العلة : ما يتحدد الحكم بتحددها ، فهذا باطل من أوجه :
أحدها : أنا نستدل على إثبات موجب قديم يستحيل وصفه بالتجدد ، ونبين أن الواجب من الأحكام يعلل بالجائز .
على أنا نقول : ذكر التجدد في الأحوال التي لا توصف بالوجود خروج عن التحقيق فإنه إنما يتصف بالتجدد وما يتصف بالوجود .
على أنا نقول : لو خلق اللّه تعالى جوهرا ، وخلق اللّه معه في أول حاله علما قائما به ، فالعلم علة في كونه عالما ، وإن وجد مقارنا له ، ولم يتحقق منه التغيير والتنقل ، إذ لم يسبق للجوهر حالة يتضمن العلم النقل منها .
ومن قال : العلة هي الصفة الجالبة للحكم ، فهي لفظة اختلال وإبهام وإجمال . فأما الاختلال فهو أن الجلب ليس ينبئ عن إيجاب واقتضاء على تحتم . وقد يجلب الجالب ما يجوز أن لا يجلبه ، والحدود موضوعة للكشف والإيضاح .
وبقريب من ذلك اعترض المحققون على قول من قال : هي المثيرة أو المؤثرة . فإن واحدا منهما ليس ينبئ عن إيجاب . وفي قول القائل : هي المؤثرة ، ضرب آخر من الفساد ،
الشامل في أصول الدين — صفحة 384
مساهمون: عبد الملك الجويني
ص٣٨٤