تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الشامل في أصول الدين — صفحة 386

مساهمون:

ص٣٨٦
حكما من علم قائم بجزء منها ، وأوجب اختصاص محل العلم بكونه عالما ، فكيف يدعي عليه ما ذكره الأستاذ ، وهذا أصله ! ثم الذي ذكره في أحكام البقاء ، فهو من شواذ الأصول وغوامضها . وليس من النصفة تلقى أصول المذاهب من شواذ الفروع . وسنذكر تفصيل القول في الفناء البقاء في آخر الصفات إن شاء اللّه . وكانت الحالة تقتضي أن لا يعرض للاعتراض على الأستاذ إجلالا لقدره ، ولكنه لما رام بعض كلام القاضي تعثر على كل من عظم خطره في الحقائق أن يوضح الصحيح من القولين .

فصل [ أصل المعلول ]

فإن قال قائل : قد ذكرتم حقيقة العلة ، فما حقيقة المعلول ؟ قلنا : كل من قال قولا في العلة أجرى من مقتضاه قولا في المعلول ، وهو سهل المدرك . والقاضي يقول : المعلول ما أوجبته العلة . وإنما التناقش في حقيقة العلة والمعلول متفرع عليها . فإذا أحطتم بحقيقة العلة والمعلول ، فنحن نذكر الآن شرائط العلة العقلية وأحكامها مستقصاة إن شاء اللّه ، ثم نعطف بعدها على المعلولات وتمييزها عن ما لا يعلل .

باب في أحكام العلل وشرائطها ووجوه الاختلاف فيها

أول ما يحتاج إلى ذكره من أوصاف العلل أن نوضح أن من شرط العلة أن تكون موجودة ، وهذا مما اتفقوا عليه ، ولكن لا تستقيم الدلالة عليها إلا على أصول أهل الحق . فإذا قيل لنا : أقيموا الدلالة على استحالة كون العلة معدومة ، سلكنا في ذلك طريقين : أحدهما : أن المعدوم هو المنفي عندنا ، والإيجاب صفة إثبات . فما كان نفيا محضا ، كيف يتصور ربط إيجاب هو إثبات له ، ولا يربط الإثبات إلا الإثبات . ولا فرق بين أن يقول القائل : لا موجب ، وبين أن يقول : لا شيء يوجبه . واستمر على أصلنا ما رمناه ، من حيث كان المعدوم منتفيا على أصولنا من كل وجه . فإن قالوا : بم تنكرون على من يزعم أن وصفكم إياه بالمعدوم إثبات منكم ؟ قلنا : هذا تعد لحد الحقائق ، فإن المعدوم وضع لتحقيق النفي ، والانتفاء يدرك تارة من قضية لفظ كالمنتفي والمعدوم ، والإثبات يرجع إلى الصيغة وليست الصيغة معدومة ، وإنما المفهوم منها هو المعدوم ، ولا نستنكر كون الانتفاء معلوما . فهذه طريقة .
الشامل في أصول الدين — صفحة 386 | عبد الملك الجويني