تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الشامل في أصول الدين — صفحة 382

مساهمون:

ص٣٨٢
وتشابههما من حيث تساويا في الحدث واتحد متعلقهما . ولا خلاف في اختلاف العلمين بيننا وبين ابن الجبائي ، فبطل أن يكون العلم الثاني علما بالذات . فإن كل علم بالحال فهو الذي نبغيه ، وفي الاعتراف به الافصاح بكون الحال معلومة . وإن لم يكن العلم الثاني لا بالحال ولا بالذات ، ينبغي أن لا يكون له معلوم ، فإنه لم يتعلق بذات ولا حال . وذلك باطل من وجهين : أحدهما : أن علما لا معلوم له ، محال على ما سنوضحه في أحكام العلوم . والثاني أن ابن الجبائي - وإن جوز علما لا معلوم له - فليس الذي نحن فيه من ذلك عنده . فإن من أصله أن العلم الثاني يتعلق بالذات على الحال وله معلوم . وإنما نناقش في تفصيل المعلوم . ومما يقوي التمسك به أن نقول : لو سلك سالك في الجواهر والأعراض مسلكك في الذوات وأحوالها ، وزعم أن العرض لا يعلم وإنما يعلم الجوهر على العرض موصوفا به ، كما تعلم الذات على الحال ، فلا يجد ابن الجبائي في ذلك فصلا . ومما يتمسك به أن يقول : قد ذكرتم أن الحال ليست بمدلولة ، فما قولكم في ذات علمت ضرورة ؟ ثم استدل على إثبات حال لها ، فلا بد للدليل من مدلول ؟ ومن تجاهل فجوز علما لا معلوم له ، لم يجز دليلا لا مدلول له . فإذا ذكر المستدل دليلا على إثبات حال للذات معلومة اضطرارا ، فنوجه الطلبة عند ذلك على ابن الجبائي ، ونقول له : ما مدلول الدليل ؟ فإن زعم أن مدلوله الذات كان محيلا ، إذ ما علم ضرورة لا يستدل عليه . وإن زعم أن المدلول الحال ، فقد نطق بالحق وسلم المسألة . وإن لم يثبت للدليل مدلولا ، فقد انسل عن المعقول . والذي يكشف الحق في ذلك أن الدليل المنصوب على إثبات الحال لا تشبث له في إثبات الذات أصلا ، وإنما يتعلق وجهه الذي منه يدل الدال ، وهذا ما لا محيص منه . ومن أعظم ما نتمسك به أن نقول : قد أعطيتمونا للحكم باستحالة قدرة لا مقدور لها ، وإن نازعتمونا في تجويز علم لا معلوم له ، وقولكم إن الحال ليست بمقدورة ، يجركم إلى نفي جملة المقدورات . وذلك [ أن ] من أصلكم أن المقدورات في العدم ، وكونه شيئا ذاتا ، ليس من أثر القدرة . فإن زعمتم أن المعدوم إذا وجد ، فوجوده عين كونه ذاتا ، فقد تناقض قولكم . وأول ما يلزمكم عليه أن يكون موجودا ، مهما كان ذاتا . وإن زعمتم أن الوجود حال ، فالحال عندكم غير مقدورة ، وفي هذا رفع المقدورات ، وقطع أثر القدرة . فهذه جملة كافية في أصول الأحوال ومقدماتها ، وإنما يستوعب تفاصيلها ، من يحيط بجملة أحكام الصفات . وإنما قدمنا هذا منها ، ليستعان به في أحكام العلل ، وما نحن الآن