تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الشامل في أصول الدين — صفحة 381

مساهمون:

ص٣٨١
علم الجوهر ثم نظر في كونه نظرا صحيحا ، لم يعلم ثانيا إلا ما علم أولا . والذي يوضح الحق في ذلك : أنه قد يعلم الذات ضرورة ، ويعلم الذات على الحال نظرا . فلو كان المعلوم أولا ، لكان الشيء الواحد معلوما ضرورة نظرا ، وهذا مستحيل وفاقا . فإن قالوا : الذي ذكرتموه لا يتحقق ، فإن وجود الشيء لا نعلمه إلا ونعلم كونه على حال جملة أو تفصيلا ، فلم يستقم ما قدرتموه من العلم بالذات وحدها ، ثم النظر في الحال . وأوضحوا ذلك عند أنفسهم بأن قالوا : إنما نعلم الذات ضرورة حسا وإدراكا ، ولا ندرك الشيء إلا على أخص وصفه حتى قال الأكثرون منهم : إن الإدراك لا يتعلق إلا بأخص وصف الشيء ، وزعموا أنه لا يتعلق بوجوده وذاته . فنقول لهم : هذا الذي ذكرتموه نهاية التناقض . فإنكم إذا زعمتم أن الرؤية تتعلق بأخص الأوصاف دون الوجود ، فأنى يصح كون الأخص ، وهو حال ، مدركا ، مع أنه غير معلوم ، لولا الغفلة والتجاهل ؟ وكل معلوم مدرك وفاقا ، والمعلومات منقسمة : فمنها ما يدرك ، ومنها ما لا يدرك . فإن تعسف منهم من لم يحط بحقائق أصولهم في الإدراكات ، وقال : لا ندرك الأخص ، ولكن ندرك الذات على الأخص ، على منهج أصلهم في العلم ، فوجه الانفصال عن السؤال أن نقول : إذا زعمتم أن الشيء يدرك أول ما يدرك على الحال ، فلم تقولوا إنه يدرك على كل حال . بل إنما يدرك على أخص أوصافه دون ما عداه من الأحوال ، فلا نفرض عليكم الكلام في الأخص ، بل نفرضه فيما سواه ، ونطرد الدلالة فنقول : إذا رأى ذاتا على حال أو أحوال ، استدل بعد ذلك على إثبات حال أخرى ، فما قولكم فيه ؟ وهذا بيّن في دفع السؤال . على أنا نقول : لا تنحصر طرق العلوم بالذوات في المشاهدات ، أفرأيتم لو أخبرنا نبي عن ذات ، وعلمناها قطعا بإخباره ، ولم يخبرنا عن حال لها . ثم نظرنا بعد ذلك في أحوالها ، لتصور ذلك . ومحصول الكلام في تحرير الدلالة أن نقول : إذا علم الذات ، ثم علمها على حال ، فقد ثبت علمان وفاقا . أحدهما بالذات ، فلا يخلو العلم الثاني : إما أن يكون علما بالذات أيضا ، وإما أن يكون علما بالحال ، وإما أن يكون علما لا بالذات ولا بالحال . ولا مزيد على هذه الأقسام . وباطل أن يكون العلم الثاني علما بما العلم الأول علم به . فإنه لو علم ثانيا ما علمه أولا ، لوجب أن يعلم الذات أولا على الحال كما علمها ثانيا . ويجب أيضا أن يعلم الذات على الحال ، على كل من علم الذات . ويلزم من ذلك أيضا تماثل العلمين