تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الشامل في أصول الدين — صفحة 379

مساهمون:

ص٣٧٩
في الحيد عن سنن التحقيق ، إذ لو قال من الملحدة والدهرية [ قائل ] : إثبات موجود قائم بنفسه غير مدان للعالم ولا مباين له ، باطل بضرورة العقل . وكذلك لو ادعى المجسمة على أهل الحق مراغمة الضرورة ، وقالوا : من المستحيل أن يرى الرائي منا مرئيا وليس المرئي في جهة من الجهات إلى غير ذلك من الأباطيل والترهات . وسبيل ذوي التحقيق في جميعها ، توبيخ مدعي الضرورة وتقريعهم ، ولبس مدارك النظر عن سبيل الضرورات والبداءة . فإن قال قائل : هل تقولون إن الأحوال ليست بأشياء ، كما اعترفتم بأنها ليست بموجودة . فأما ما نرتضيه : القطع بأنها ليست بأشياء كما قطعنا بنفي الوجود . وقد تردد قول ابن الجبائي في ذلك ، فقال : لا يقال في الحال إنها شيء ولا يقال إنها ليست بشيء . وسنبين أصل ذلك عند الفراغ مما نحن فيه . فإن ادعى الخصم وقال : إذا صرحتم بأن الحال ليست بشيء ، فقد أفصحتم بنفيها . وهذا الكلام من الضرب الأول ، وقد تحقق الخصم أولا أن الحال إذا لم تكن بموجودة ، فقد ثبت انتفاؤها وقد قدمنا فيه مقنع في التقصي عن ذلك ، وأوضحنا أنه لا استرواح إلا إلى ادعاء محض . وربما يخوض الخصم في مخاض آخر فيقول : لست أفهم رتبة بين الوجود والعدم ، ولا أسمع حجاجا على ما لا أفهمه ، فإن التشبث بطريق النظر في رد مذهب أو قبوله يترتب على فهمه فنقول للمشغب بهذا الكلام : هل تفهم الوجود ؟ فإذا قال : أجل ولا بد منه ، قيل له : فهل تفهم الانتفاء ؟ فإذا قال : نعم ، قيل له : فنحن نثبت وصفا للوجود وننفي عنه صفة الوجود والعدم ، وهذا مفهوم بلا شك فيه ، وإنما المخاوضة والمفاوضة في استحالة ذلك أو صحته ؛ إما بضرورة عقل أو نظر . ومما تمسك به نفاة الأحوال أن قالوا : الأحوال عندكم لا تخلو : إما أن تكون مختلفة أو متماثلة . فإن اتصفت بالاختلاف أو التماثل وجب اتصافها بالأحوال ، إذ التماثل والاختلاف عند مثبتي الأحوال آئلان إلى ضروب من الأحوال ، ثم يتسلسل القول في ذلك . قالوا : فإن أثبتم وصفها بالتماثل والاختلاف كان ذلك خروجا عن المعقول . وهذا الذي ذكروه تكلف بعد ما زال استبعادهم في خروج الأحوال عن الاتصاف بالوجود والعدم ، إذ الاختلاف والتماثل لا يتحققان إلا في الموجودات . فإذا استمر لنا ما قدمنا في الخروج عن الوجود والعدم ، وزال عنا الطلبة فيه ، لم نكترث بعده بما ذكروه في التماثل والاختلاف .