تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الشامل في أصول الدين — صفحة 378

مساهمون:

ص٣٧٨
والذي يوضح مقصدنا فيه أن نفاة الصفات يعتقدون أن الرب تعالى عالم مع تصميمهم على نفي علمه ، وهذا قد تمسك به القاضي . وفيه نظر ، فإن شيخنا رضي اللّه عنه أنكر أن يكونوا عالمين بكون الرب عالما ، ولا معول على الاعتقاد إذا لم يكن علما . وسنعقد في ذلك فصلا في آخر الصفات إن شاء اللّه . فهذه عمدة القائلين بإثبات الأحوال ، لا يشذ منها إلا تكرير عبارات ، وتجويز ألفاظ يؤول مرجع جميعها إلى ما سبق . ونحن الآن نذكر ما تمسك به نفاة الأحوال وننفصل عنه . ومما استدلوا به ، وهو الذي عليه معولهم ، أن قالوا : الحال الذي أثبتموها لا تخلو : إما أن توصف بالوجود ، أو لا توصف به . فإن وصفت بالوجود ، والكلام مفروض في الحوادث لم تخل من أن تكون جوهرا أو عرضا ، ثم لا تخلو بعد تقديره من أحد القبيلين عن حال ، فيتسلسل القول ويفضي إلى حوادث لا تتناهى . وإن لم تكن موصوفة بالوجود ، وجب وصفها بالانتفاء والعدم إذ ليس بين الوجود والعدم رتبة ، كما ليس بين النفي والإثبات رتبة . ثم إذا نعتت بالعدم فقد وصفت بالانتفاء - وهذا تصريح بنفي الأحوال - فأنّى يستقيم مع ذلك وصفها بكونها موجبة معلولة وقد ثبت انتفاؤها ؟ والأولى بنا في الجواب أن ندخل دخول مستفصل بعد أن نسلم أن الأحوال ليست بموجودة ، فنقول : أتدعون أن ما لم يوصف بالوجود وجب انتفاؤه ضرورة وبديهة أم تدعون ذلك نظرا واستدلالا ؟ فإن زعمتم أنا نعرف ذلك ضرورة ، قطع الكلام عنكم ، وقوبلتم بدعوى الضرورة في صد مرامكم ، وكيف يحسن ادعاء الضرورة فيما عده المحققون من أغمض أبواب الحجاج ، وأدق ضروب النظر . وقد وضحت الأدلة على إثبات الأحوال وضوحا لا مدفع لها ، وقامت الدلالة القاطعة على استحالة وصفها بالوجود والانتفاء . ويستحيل قيام الأدلة على خلاف ما علم اضطرارا ، فإن الأدلة العقلية إذا وضحت وسلمت عن القوادح ، فلا بد أن تتضمن علوما بمداولاتها . فاستبان بذلك بطلان ادعاء الضرورة ، ووضح أن المعلومات تنقسم ثلاثة أقسام : أحدها : وجود ، والثاني : عدم وانتفاء ، والثالث : وصف وجود وحال له يتبعه لا يوصف بالوجود على انفراده . والخصم مطالب بإبطال ذلك نظرا وحجاجا فلا نتقبل منه الاسترواح إلى دعوى الضرورة . ولو استروح إليها ، كنا بالخيار في قطع الكلام عنه أو في بطلان ما ادعاه ننصب الأدلة الواضحة مع العلم باستحالة ثبوت الأدلة على خلاف ما علم ضرورة . ثم لو جاز سلوك هذا المسلك في الذي نحن فيه ، لوجب تقبل مثله من المعتزلة . إذ لو قالوا لمثبتي الصفات : خالفتم الضرورة في قولكم ليس العلم هو الذات ولا مماثلا لها . ولو طرقنا إلى أصول الحقائق ادعاء الضرورات ، لابتدر إليه الجهلة في كل مضيق ، ولا يجدوا ذلك ذريعة