تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الشامل في أصول الدين — صفحة 377

مساهمون:

ص٣٧٧
المتماثلات والمختلفات . وحققوا ذلك بأن قالوا : إن كان من أصلنا أن كون السواد سوادا عين وجوده ، وليس بوصف زائد على الوجود ، فإذا خالف السواد البياض بكونه سوادا ، فقد خالفه بوجوده . فكأنا نقول : هذا الوجود خلاف ذلك الوجود . وهذا الذي ذكروه لا يخلصهم مما أريد بهم ، وذلك أنا نعلم أن حقيقة وجود السواد ثبوته ، وليس من حقيقة وجوده كونه سوادا . والذي يوضح ذلك أنه يصح العلم بوجوده مع الجهل بكونه سوادا ، فلا تعلق لحقيقة الوجود إذا تقررت في النفوس بكون السواد سوادا ، وكون البياض بياضا . فاستبان أن الاختلاف لا يقع بمحض الوجود . وهذه الدلالة تقوى إذا عضدت بالتي قبلها . ومما يستدل به في إثبات الأحوال أن العالم يعلم أولا كونه عالما قبل أن ينظر في إثبات الأعراض ، فلا يخلو : إما أن يكون معلوم علمه كونه عالما أو علمه ، أو لا يكون لعلمه معلوم . وهذا القسم الأخير مما سنبطله بعد ذلك في فصل مفرد ، إن شاء اللّه عز وجل . فلم يبق إلا القسمان المتقدمان . فإن زعم الخصم أن معلوم العلم كونه عالما ، وهو زائد على العلم ومحله ، فهو الذي نطلبه ، وهو تصريح بإثبات الحال وإن زعم من يخالفنا أن المعلوم هو نفس العلم ، كان ذلك باطلا من أوجه : منها : أنا فرضنا الكلام في من لم ينظر في إثبات الأعراض ، ولم تقم عنده دلالة على ثبوتها ، يوصل تدقيق النظر إلى إثبات الأعراض التي العلم منها . فإن قالوا : بم تنكرون على من يزعم أنه علم العلم ، وإنما التبس عليه مغايرة العلم للذات ، وهو الذي نطلبه للنظر ؟ قلنا : هذا باطل ، وذلك أنا أوضحنا أنه يتبين له معلوم زائد على ذاته ، إذا كان يعرف قبل ذلك نفسه ، وإنما حصل له هذا العلم بعد علمه بنفسه . وقد علم قطعا أن ما علمه زائد على ما علمه قبل . فإن عنى الخصم بالتغاير تعدد المعلومين ، فقد علم العالم ذلك قطعا لما علم نفسه أولا بضرورة العقل ، ثم علم كونه عالما ، وقد تعدد معلومه . فلو كان المعلوم الثاني هو العلم ، فلا معنى للاشتغال بدقيق النظر بعد ذلك في إثبات العلم . هذا لو أراد الخصم بالمغايرة تعدد المعلومين . وإن أراد به ما يرتضيه أهل الحق في حد الغيرين وحقيقتهما ، حيث يقولون : حقيقة الغيرين : كل موجودين جاز وجود أحدهما مع عدم الثاني . فالاسترواح إلى ذلك واضح البطلان . وذلك أن الدليل على ثبوت الأعراض غير دال على عدمها مع بقاء الذات ، وإنما يستدرك عدمها جوازا أو [ و ] جوبا بدلالة أخرى . فالناظر في إثبات الأعراض ربما لا يخطر له عدم الأعراض ولا عدم محالها ، عند نظره في إثبات الأعراض ، فبطل أن يكون معلوم الناظر في إثبات الأعراض مغايرتها لمحالها .