الواجب على المعنى الّذى يصحّ الآن ولا يكون العالم فيه ولم يتحقّق ذلك على ما أفاده هذا الفاضل ، هذا على أنّ الظاهر كما يقال في الأجسام إنّه زمانىّ بمعنى أنّ وجوده مقارن لوجود الزّمان ، نعم لا يصحّ أن يقال إنّه زمانىّ بمعنى أنّ وجوده ينطبق على الزّمان مثل الحركة ، ولا يصحّ ذلك في الجسم أيضا ، وعلى هذا فلا اشكال أصلا ،
هذا ما يخطر بالبال على سبيل الاحتمال . فإن كان من الحقّ ، فهو الحقّ ، وإن كان من الوسواس الشيطانية فنعوذ باللّه منه واللّه يعلم حقيقة الحال .
وأمّا النّظير الّذى ذكره من قولهم لا خلاء ولا ملاء فوق المحدّد فهو قول على سبيل التوسّع والمقصود أنّه لا شئ وراءه بدون توهّم فوقيّة أصلا ، فلا يصلح للتنظير ، على أنّه على تقدير صحّته ممّا لا يفيد بعد ما بيّنا أنّه لا يجوز أن يكون حدوث العالم بهذا الوجه فتأمّل واللّه الموفّق .
وإذ قد بلغ الكلام في هذا المقام ، فلا بأس أن يذكر طريقة السيّد المحقق الداماد قدّس سرّه في حدوث العالم ، فإنّ ما ذكره هذا الفاضل إنّما استخرج منه .
فنقول : إنّه زعم أنّ حدوث العالم المتنازع فيه إنّما هو الحدوث الدهري لا الذّاتى ولا الزّمانى وخلاصة ما قاله في تحقيقه :
إنّه مسبوقيّة الوجود بالعدم الصّريح المحض لا مسبوقيّة بالذات بل مسبوقيّة انسلاخيّة انفكاكيّة غير زمانيّة ولا سيّالة ولا متقدّرة ولا متكمّمة ، والفرق بينه وبين الحدوث الزمانىّ ، أنّ الحدوث الزمانىّ هو الوجود بعد العدم المتقدّر السّيال الواقع في الزمان القبل قبليّة زمانيّة متكمّمة ، وفي هذا الحدوث ليس العدم متقدّرا متكمّما أصلا ، بل إن هو إلّا محض مسبوقيّة الوجود بالعدم المحض واللّيس السّاذج ، ولمّا كان وعاء الوجود الصّريح المسبوق بالعدم الصّريح المرتفع عن أفق التقدّر واللّاتقدّر هو « الدّهر » لا الزمان لأنّه وعاء للأمور المتغيّرة المتقدّرة السيّالة ولا « السّرمد » لأنّه وعاء بحت الوجود الثابت الحقّ المقدّس عن عروض التغيّر مطلقا ، والمتعالى عن سبق العدم على الإطلاق فالحدوث بحسب سبق العدم الصّريح أحقّ الأشياء وأجدرها به الحدوث الدّهرى . « 1 »
ونحن نقول إذا اتّصف العدم في نفس الأمر بأنّه سابق على الوجود سبقا غير ذاتي كما يظهر من بعض كلماته فيكون البتّه محتاجا إلى وعاء وظرف يكون فيه ويتّصف هو لا محالة بالتقدّر والتكمّم
هامش
( 1 ) . راجع القبسات ، ومضة الأول والثاني والثالث من القبس الأول .