تعيينه ولا يكون فيه قرب وبعد وزيادة ونقصان إلّا بمحض التوهّم .
ونظير ذلك ما قالوا : إنّ فوق محدّد الجهات لاخلاء ولاملاء مع أنّ الفوقيّة متحدّدة به فكما أنّ العقل هناك يعلم من تناهى البعد المكاني انّ وراءه عدم صرف ونفى محض وينتزع من ذلك ويحكم بمعونة الوهم أنّ لهذا العدم المحض فوقيّة ما على المكان والمكانيّات كفوقيّة بعض أجزاء المكان على بعض مع أنّه لامكان هناك ، كذلك هنا يعلم من تناهى الزّمان والزمانيّات في جانب البداية انّ ورائها عدم صرف ونفى محض ويحكم بأنّ لهذا العدم الصرف قبليّة ما على وجود العالم والزمان شبيهة بقبليّة أجزاء الزّمان بعضها على بعض وهذا هو المراد من قول المصنّف ، وجود العالم بعد عدمه ، بل هذا هو الحدوث الزّمانى المتنازع فيه بين الملّيين والفلاسفة ولا يلزم من ذلك وجود زمان قبل الزمان بل مجرّد ذلك الزّمان الموجود مع ملاحظة تناهيه كاف لانتزاع الوهم وحكم العقل بهذه القبليّة وليس هذا إثبات الزّمان الموهوم ، كما ليس ذلك إثبات المكان الموهوم فتدبّر انتهى .
وأنت خبير بأنّ سبق العدم على الزمان على ما أفاده لا يرجع إلّا إلى كون الزّمان متناهيا من غير أن يكون سبق عدم حقيقة بل بمحض التوهّم ، وهذا ليس إلّا القول بالقدم بالحقيقة ، لأنّه إذا لم يكن انفصال بين ذات الواجب تعالى وبين العالم ولا يمكن أن يقال أصلا إنّه كان الواجب ولم يكن العالم فيكون العالم قديما البتّة ولو أطلق عليه الحادث فلا يكون إلّا بمجرّد الاصطلاح على إطلاق القديم والحادث على ما كان زمانه متناهيا وغير متناه وهو لا يفيد .
وبالجملة لابدّ على طريقة الملّة من القول بوجود إله العالم بدون العالم بأن يكون بينهما انفصال .
وعلى ما ذكره هذا الفاضل لا يكون كذلك بل يكون وجود العالم متصلا بوجوده تعالى من غير انفكاك ولا انفصال بينهما ، ولوجود هذا فلم لا يجوز كونه غير متناهية أيضا إذ لا يلزم فيه إلّا عدم الانفصال وهو قد لزم في صورة التناهي أيضا .
لا يقال : إنّه ليس وجود الواجب تعالى زمانيّا فلا معنى لاتّصال العالم بالواجب وانفكاكه عنه .
لأنّا نقول : فعلى هذا إذا كان الزّمان غير متناه أيضا لا اتّصال للعالم به تعالى فلم لا يجوّزه .
والحلّ أنّا نقول إنّه يجب أن يكون زمان يصحّ أن يقال كان الواجب فيه ولم يكن العالم حتى يرد ما ذكرت بل الغرض أنّه يجب أن يتحقّق انفصال بين الواجب والعالم يصحّ فيه قولنا كان
سبع رسائل — صفحة 231
مساهمون: المحقق الدواني
ص٢٣١