وعلى مذهب الأشعري أنّه علم في الأزل أنّ العبد يكتسبه بفعل ، فالفعل وإن لم يكن بتأثيره وإيجاده فبذلك يستحقّ الثّواب والعقاب .
أقول :
إنّما يتمشّى ذلك لو لم يكن علم اللّه تعالى علما فعليّا هو مصدر المعلوم ، وأمّا إذا كان علمه فعليّا [ مصدر المعلوم ومبدأه ] « 1 » كما سبق ، فلا يتمشّى ذلك لأنّ ذلك العلم سبب مؤثّر في المعلوم معيّن له .
لا يقال :
يجوز أن يكون [ سببا ] « 2 » مؤثّرا في وجود [ هذا « 3 » ] الفعل بسبب قدرة العبد أو بكسبه
لأنّا نقول :
كون الشّىء سببا لصدور الشّىء عن سبب آخر إنّما يتصوّر بكونه سببا بعيدا ، وعلى هذا التّقدير يبقى الإشكال الّذى ارتكب المعتزلة لأجله إثبات قدرة العبد وتأثيره ونفى تأثير اللّه في فعل المكلّف « 4 » وذلك لأنّه كما لا محيص عن تأثير المؤثّر القريب ، كذلك لا محيص عن تأثير [ المؤثّر ] « 5 » البعيد ، فلا تندفع التلجية « 11 » بما ذكروه ، وأمّا الكسب الّذى أثبته [ الأشعري فإنّما اثبته ] « 6 » للفرق بين حركة المرتعش وحركة المختار ، فإنّ التكليف بمثل الأوّل غير واقع وإن كان جائزا عنده .
والحقّ ما ذهب إليه الأشعري ، وأنّ التكليف الّذى هو غير واقع « 7 » هو التكليف بما ليس متعلّقا بقدرة العبد ، وأمّا ما هو متعلّق قدرته وإن لم يكن مؤثّرة ، فالتكليف به واقع وليس فيه محذور ، فإنّه ليس للعبد على اللّه تعالى حقّ ، حتى يتوهّم في حقّه الظّلم ، بل هو الحاكم المطلق الفعّال « 8 » لما يريد ، قدّر في الأزل السّعادة لمن أراد ، والشّقاوة لمن شاء من غير سابقة استحقاق ، وقال هؤلاء للجنّة « 9 » ولا أبالي ، وهؤلاء للنّار ولا أبالي . « 10 »
هامش
( 1 ) . في نسخة . ل .
( 2 ) . في نسخة . ل .
( 3 ) . في نسخة . ل .
( 11 ) التلجية : الإكراه والإلزام .
( 4 ) . ونفى فعل اللّه في فعل المكلّف . ق .
( 5 ) . في نسخة . س . ل .
( 6 ) . في نسخة . ل .
( 7 ) . فانّ التكليف الّذى هو واقع . ق .
( 8 ) . الفاعل . ق .
( 9 ) . إلى الجنّة . ق .
( 10 ) . هذا ما في رواية نقلت في تفسير الدر المنثور ، اخرجها ابن سعد واحمد عن عبد الرحمن بن قتادة -