اعتقادهم أنّ الكلام اللّفظى القائم بالقارى حادث ، وأنّ إطلاق كلام اللّه عليه بطريق الاشتراك اللّفظى ، « 1 » يمنعون إطلاق الحادث عليه ، لئلّا يتوهّم حدوث الكلام النّفسى القائم بذاته تعالى . وذهب الأشعري إلى أنّ كلامه تعالى ليس بصوت ولا حرف ، بل هو المعنى القائم بذاته تعالى ، وحمله جمهور الأشاعرة على المعنى المقابل للّفظ ، وسمّوه بالكلام النفّسى ، وهو مدلول الكلام اللّفظى المركّب من الحروف وهو قديم .
ولم يرتض صاحب المواقف هذا الكلام ، « 2 » وزعم أنّه يستلزم مفاسد كثيرة كعدم تكفير من أنكر كون ما بين دفّتى المصحف كلام اللّه تعالى ، مع أنّه علم من الدّين ضرورة أنّه كلام اللّه تعالى حقيقة ، وكعدم كون المقروّ والمحفوظ والمسموع كلام اللّه تعالى حقيقة ، وكعدم التحدّى بما هو كلام اللّه تعالى حقيقة ، إلى غير ذلك من المفاسد الّتى لا يخفى على المتفطّن في الأحكام الدينيّة .
ثم قال :
فوجب حمل كلام الشّيخ « 3 » على أنّ المراد بالمعنى ما يقابل العين ، « 4 » فيكون الكلام النّفسى عنده مجموع اللّفظ والمعنى قائما بذاته القديمة ، مكتوبا في المصاحف ، مقروّا بالألسن ، « 5 » محفوظا في الصّدور ، وهو غير الكتابة والحفظ والقراءة ، فإنّها حادثة ، وترتّب الحروف والألفاظ إنّما هو فينا ، لعدم مساعدة الآلة ، فالتلفّظ حادث والمتلفّظ قديم ، والأدلّة الدّالة على الحدوث [ كأدلّة أوردها المعتزلة ] ، « 6 » يجب حملها على حدوث التلفّظ دون الملفوظ ، جمعابين الأدلّة « 7 » وهذا الّذى ذكرناه وإن كان مخالفا لما عليه متأخّروا الأصحاب إلّا أنّه بعد التأمّل يعرف حقيقته .
أقول :
وقد سبقه إلى مثل ذلك محمد بن عبد الكريم الشهرستاني « 8 » في كتابه المسمّى ب « نهاية الأقدام »
هامش
( 1 ) . بطريق اشتراك الاسم . ق .
( 2 ) . راجع آخر المقصد السّابع من المرصد الرابع من الموقف الخامس من شرح المواقف ج 8 / 103 في انّه تعالى متكلّم . قوله :
وفيه انّ للمصنف ( وهو القاضي عضد الدّين الا يجى ) مقالة مفردة في تحقيق كلام اللّه تعالى .
( 3 ) الشيخ هو الشيخ أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري ( 324 - 260 ) . كان عدلا معتزليّا ثم تاب .
( 4 ) المراد من « المعنى » الذي يقابل العين وهو الأمر القائم بالغير فان لفظ المعنى تارة يطلق على مدلول اللفظ وأخرى على الامر القائم بالغير .
( 5 ) . بالألسنة . ل . س .
( 6 ) . في نسخة . ل .
( 7 ) . وفي نسخة س . ل . العبارة هكذا : جمعابين الأدلة قال .
( 8 ) هو أبو الفتح محمد بن عبد الكريم بن أحمد الشهرستاني صاحب كتاب الملل والنحل ( 548 - 479 ) .