بأوهامكم في أدقّ معانيه مخلوق مصنوع مثلكم مرددو إليكم ، « 1 » والباري تعالى واهب الحياة ومقدّر الموت ، ولعلّ النمل الصغار يتوهّم أنّ للّه زبانيتين ، فإنّ ذلك كمالها ويتوهّم أنّ عدمها نقصان لمن لا يتّصف بها ولا يكون له ، وهكذا حال العقلاء فيما يصفون اللّه تعالى به وإلى اللّه تعالى المفزع .
أقول :
هذا كلام دقيق رشيق أنيق ، صدر عن مصدر التحقيق ومورد التّدقيق ، والسرّ في ذلك أنّ التكليف إنّما يتوقّف « 2 » بمعرفة اللّه تعالى بحسب الوسع والطاقة ، فإنّما كلّفوا بأن يعرفوه بالصّفات الّتى ألفوها « 3 » « 7 » وشاهدوها فيهم مع سلب النقائص الناشئة عن انتسابها إليهم ، ولمّا كان الإنسان واجبا بغيره عالما قادرا مريدا حيّا متكلما سميعا بصيرا ، كلّف بأن يعتقد أنّ تلك الصّفات في حقّه تعالى مع سلب النقائص الناشئة عن انتسابها إلى الإنسان ، بأن يعتقد أنّه تعالى واجب لذاته لا بغيره عالم بجميع المعلومات قادر على جميع الممكنات مريد لجميع الكائنات ، وهكذا في سائر الصّفات ، ولم يكلّف باعتقاد صفة له تعالى لا يوجد فيه مثاله ومناسبة بوجه ، « 4 » ولو كلّف به لما أمكنه تعقّله بالحقيقة ، وهذا أحد « 5 » معاني قوله عليه السّلام : من عرف نفسه فقد عرف ربّه مع أنّه قال تعالى :
وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ .
الأنعام / 91 . الحجّ / 74 . الزّمر / 67 .
الفصل العاشر في سمعه وبصره
قد تعاضدت الأدلّة السمعيّة على أنّه تعالى سميع بصير واختلف في أنّهما راجعان إلى العلم ، فيكون سمعه عبارة عن علمه بالمسموعات ، ويكون البصر عبارة عن العلم بالمبصرات ، أو هما صفتان زائدتان ، قدهب الشّيخ أبو الحسن الأشعري والحكماء « 6 » إلى الاوّل ، وساير المتكلّمين إلى الثاني .
هامش
( 1 ) . الوا في باب النهى عن الصفة بغير ما وصف به نفسه في بيان الحديث الثاني .
( 2 ) . يتعلّق . ل .
( 3 ) . بالغوها . ل .
( 4 ) . باعتقاد الصّفة فيه تعالى لا بوجود مثاله ومناسبة بوجه ما فيه . ل .
( 5 ) . ولو كلّفه به أمكنه تعقّله بالحقيقة وهكذا أخذ . ل .
( 7 ) ألفوها : وجدوها .
( 6 ) . الأشعري موافقا للحكماء .